الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٨١
اليعازر: إن أصحابنا في كتبهم يعارضون العرب المنتسبين إلى إسماعيل وإبراهيم وينكرون نسبهم هذا واتصالهم بإبراهيم ويذكرون أن هؤلاء العرب أخلاط من الحبشة وغيرهم فلا يعلم حينئذ نسبة بناء الكعبة وآثارها إلى إبراهيم.
عمانوئيل: يا والدي نقول أولا يكفي في العلم بنسبة الكعبة إلى إبراهيم تسالم العرب القحطانيين في أجيالهم يدا بيد إلى زمان إبراهيم فإن القحطانيين وحدهم يبلغون في كل جيل مئات الألوف أو ألوف الألوف وهم لهم القرب والربط التام بأرض مكة وهي من قطرهم ونقول ثانيا إن من أهم الأمور عند العرب حفظ النسب والدقة فيه والتفاخر بشرفه والتنازع فيه وقد كان جميع العرب في أجيالهم يذعنون ويشهدون للعرب الإسماعيليين بأنهم من أولاد إبراهيم ويخضعون لشرف نسبهم ويجرون لهم اللازم في احترامهم من أجل هذا الشرف وقد استمرت على ذلك أجيالهم بأتقن تاريخ ولو كان في ذلك أدنى غميزة لما خضع القحطانيون لافتخار الإسماعيليين واحترام شرفهم مع ما لا يخفى من نخوة العرب وجبروتهم وتنازعهم في أسباب الشرف والتقدم لكن وضوح الحقيقة أخضعهم.
وهل يخفى ما للعرب من التقدم في علم الانسان وتاريخ قديمها وشريفها بحيث لا يوجد في سائر الأمم من يدانيهم في ذلك فإن الانسان عند العرب منشأ العز وناموس الشرف والاحترام يتنافسون فيها ويتحاسدون ولا يفوز منها بالتسليم لفضيلته إلا ما كان معلوما لا مجال لجحوده بحيث تراه كأنه مسجل ومبين في آلاف من الكتب بل وأحلى من ذلك فإن الكتاب يكتب وقد يصفق له جمهور باسم كاتبه أو أسم الالهام فيبقى على ذلك التصفيق عثرة في سبيل الحقيقة وأما النسب عند العرب ففي جميع أجيالهم هو معرض للنقد والنظر في أمره فلا يثبت ويستمر في أجيالهم إلا ما كان رصينا على أقوى قواعد وأثبت أساس خصوصا إذا كان شأنه يمس جميع العرب ويخضعون بأجمعهم لشرفه وفضيلته على ناموس انقيادهم الاختياري لشرف الأصل وكرم النسب المعلوم. وبما هو دون هذا المقدار أخذت الأمم أنسابها بالقطع واليقين وماذا تنفع الكتابات بالأقلام المتحركة بأسباب مختلفة وأوقات غير مرصودة ولا معلومة. أفلا يكفينا من ذلك في العبرة ما وقع من الاختلاف المدهش في نسب المسيح فيما بين الفصل الأول من إنجيل متى وبين الفصل الثالث من إنجيل لوقا. ودع عنك مخالفة الفصلين المذكورين مع سفر الأيام الأول في أنسابه ودع عنك اضطراب كتب العهد القديم واختلافها في الأنساب ودع عنك أن إنجيل لوقا والتوراة السبعينية واليونانية قد زادت على التوراة العبرانية (قينان) بين أرفكشاد وشالح [١].
أنظر إلى هذه الاختلافات الباهضة التي تحير فيها المحققون واعترفوا بخللها وإن تكلف في أمرها بعض الناس فجاء في ذلك بما يشبه أضغاث الأحلام ويزيد في الطين بلة فانظر أقلا إلى الجزء الأول من كتاب الهدى من الصحيفة ٢٠٥ إلى ٢١٤ وإلى الجزء الثاني من الصحيفة ٢٣ إلى ٥٠ وانظر أيضا إلى الفصل الثالث من الباب الأول من كتاب إظهار الحق [٢] وكذا المقصد الأول والثاني والثالث من الباب الثاني منه فإنك ترى العجب من خلل العهدين في التاريخ والنسب والأسماء فيا للعجب من بعض أصحابنا ومنهم هاشم العربي والغريب ابن العجيب إذ يحاولون
[١]ـ أنظر إلى العدد الثاني عشر من الفصل الحادي عشر من سفر التكوين في العبرانية وتراجمها وفي اليونانية والسبعينية وإلى العدد السادس والثلاثين من الفصل الثالث من إنجيل لوقا.
[٢]ـ هو كتاب جليل في بابه بكر في طريقته فائق في إتقانه واطلاع مصنفه وهو الشيخ رحمة الله الهندي وقد ذكر أنه ابتداء في تصنيفه في رجب سنة ١٢٨٠ وأتمه في ذي الحجة من السنة المذكورة في مقابلة أهل الكتاب وأجاد فيه وحقق فلتغتنم رؤيته وقد تعددت طبعاته والموجود عندي ما طبع بمصر سنة ١٣١٧ في ٤٤٤ صحيفة بالقطع المتوسط. (*)