الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٧٨
والطواف بالكعبة وجملة من أعمال الحج وإن تصرفت الأهواء في بعضها. حفظ كل العرب في جميع أجيالهم كل ذلك باسم إبراهيم ودعوته الرسولية وتاريخه وتذكار شرائعه وآثاره الخالدة واستمرت على ذلك بأجمعها إلى أن أشرق نور الاسلام ونهضت الحنيفية الحقيقية نهضتها الكريمة المنصورة وإن كان النفوذ الكثير في المسكونة للوثنية. بل ربما أن الذي يرى على الصور النحاسية لقدماء المصرين من صورة ثوبي الاحرام إنما كان من زي العبادة والتواضع لله وقد أخذ من شريعة إبراهيم في الحج أو من شريعة نبوية. كما أن جملة من زعماء الأديان المختلفة الذين يناسب حالهم مظاهر النسك والتواضع ترى صورهم في زي إحرام المسلمين كما في تصوير (كونفوسيوس) الصيني و (لاوتز) ومن القريب أن يكون طواف الصابئة وقدماء اليونان مأخوذا من طواف الحج الذي شرعة إبراهيم للكعبة.
فإن النظر الدقيق يدل على أن العبادات الاختراعية أفسدت العبادات الحقيقية النبوية فحولتها إلى بدعها وتصرفت بها ما شاءت أهواء دعاة البدع من التخليط فمن الحري أن يكون جملة مما هو عند المجوس والصابئة والبراهمة والبوذيين وقدماء المصريين واليونان من العبادات والشرايع هو مأخوذ من دين إبراهيم وشريعته ولكنهم حولوه إلى عبادة وثنية أو تصرفوا بصورته حسبما يقتضيه الضلال والتقصير. وإن سير الختان في أمم الشرق قبل الاسلام يدلك على أن لها نحو ارتباط بشريعة إبراهيم... أقول ذلك وإن كان جماعة من النصارى يزعمون أن الله لم ينزل من قبل موسى على القدماء شريعة وإنما جروا على عادات اصطلحوا عليها في هذه الحياة. ومن هؤلاء الزاعمين جمعية كتاب الهداية والمرسلون الأمريكان الذين طبع ذلك الكتاب بمعرفتهم.
هؤلاء الروحانيون المبشرون والداعون إلى التقوى والعلم كأنهم لم يقرأوا من توراتهم العدد الخامس من الفصل السادس والعشرين من التكوين عن قول الله لإسحاق (من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي) ألم تذكروا هذا في الجزء الأول صحيفة ٨٢ و ٨٣ ألم تنظروا في الجزء الأول من كتاب الهدى صحيفة ٢٤٢ و ٢٤٣. ألم تنظروا في الجزء الرابع من كتاب جمعية الهداية صحيفة ١٦٧ و ١٦٨ و ١٦٩. وهل يخفى أن الشرايع الإلهية الحقيقة لا يمتنع أن تتفق في كثير من مواردها باعتبار أن اختلاف الزمان والأمة لم يؤثر تغيرا في مصالحها بل يجب أن تتفق حينئذ لكون الشارع واحدا والمصلحة واحدة. وربما يفهم من القرآن الكريم أن شرائعه ناظرة إلى شرايع إبراهيم كما في قوله تعالى في الآيتين السادسة والسبعين والسابعة والسبعين من سورة الحج: (يا أيها الذين آمنوا) ركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين) وهو ما تدينون لله به من المعارف واتباع أوامر الله ونواهيه وشرايعه لم يجعل فيه (من حرج) بشريعة حرجية تشق على النوع وتضايقه بعسرها (ملة أبيكم إبراهيم) باعتبار أن المخاطبين عند نزول الآية كانوا من ذرية إبراهيم. أو باعتبار الأبوة الروحانية النبوية (هو سماكم المسلمين) فجعل ملة إبراهيم بيانا لأوامر شريعة الاسلام ودينه الذي لم يجعل فيه جرح.
اليعازر: إن كثيرا من أصحابنا يقولون إن نبي الاسلام قد أخذ شرائعه ولفقها من الشرايع المختلفة صحيحها وفاسدها فأخذ شيئا من اليهود وشيئا من الشرايع الأخر.
عمانوئيل. هل يسمح لي السيد الوالد ويعطيني حرية لكي أقول كلمتي في هذا المقام.
اليعازر: قل كلمتك فإني تركتك وحريتك من أول الأمر.
عمانوئيل: إن أصحابنا لم ينظروا إلى شريعة الاسلام إلا بنظر التكذيب فصاروا يتسرعون بأقوالهم السقيمة ويدعون أن نبي الاسلام أخذ شرايعه من هنا ومن هنا. فما أرى أصحابنا إلا كالماديين الذين يقولون إن موسى النبي أخذ شرايعه من المصريين ومن (حمورابي). الدكتور: لماذا تخص هذا القول على موسى بالماديين. فإني أرى كتبكم تقول على شريعة موسى أكثر من ذلك وأوحش فإنا نجد في الفصل الخامس عشر من أعمال الرسل عند إبطالهم لشريعة الختان وكثير من محرمات التوراة قالوا في علة إبطالها (٢١ لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به) ومعنى هذا أنه يكفي موسى مراعاة شخصيته في هذه الأجيال. وفي الفصل الرابع عشر من رسالة رومية في إبطال تحريم التوراة لبعض الحيوانات وتنجيسها هكذا (١٤ أني عالم ومتيقن أن ليس شئ بخسا لذاته). وفي الفصل الرابع من رسالة تيموثاوس الأولى ١ - ٤ جعل تحريم بعض الحيوانات كما في التوراة من تعاليم الشياطين والأقوال الكاذبة المكتوبة. وفي الفصل الأول من رسالة تيطس (لا يصغون إلى خرافات يهودية ووصايا أناس مرتدين عن الحق كل شئ طاهر للطاهرين).