الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٤٥
العقاب الروحي وجهنم التي ليس محلا ماديا كيف يرتبط بالجسم المادي ويعاقب به.
عمانوئيل: لقد أصلحت عبارة صاحبك في ظاهرها. ولكن هل سمحت بالالتفات إلى معناها واستدلالها؟ لم تنصف نفسك ولا أدبك إذا لم تلتفت إليها يا رمزي، الأديان تقول: إن جهنم نار مادية في محل مادي وإن عقاب الانسان الأثيم في جهنم هو مادي وها هي الكتب بمرأى من الناس وبذلك يقول أهل الأديان ولئن كان هذا العقاب ينال الأبالسة والشياطين فلأنها ليست أرواحا مجردة عن المادة والصورة بحيث لا تحل محلا مخصوصا ولا يمكن أن تحل على مادة بل هي مادية وإن كانت بنحو يخالف مادية البشر ولتكن مثل الغازات بل قل مثل القوة بل قل مثل الأثير ها هي كتب الأديان المعروفة تتثبت للشياطين والأبالسة أعمالا من نحو الأعمال المادية كالدخول والخروج والهبوط والهلاك ولهم مسكن ومستقر مادي تحل عليه ويطرحون في جهنم فمن أين لهذا الكاتب أن الأبالسة أرواح مجردة عن المادة والصورة ليس لها محل مخصوص ولا يمكن أن تحل على المادة؟ إن كان هذا الكاتب وأصحابه يرجعون في هذا الشأن إلى الكتب الدينية فهذه صراحة الكتب الدينية. وإن كان يعتمد على مبادئ الماديين فإن الماديين ينكرون وجود الأرواح المجردة سواء كانت أبالسة وشياطين أم ملائكة أخيار أو أشرار. فعلى أي مبدأ يفتي هذا الكاتب ويستنتج من فتواه ويجادل؟ يا للعجب لو تعذر على هذا الرجل أن يفهم أنه يمكن أن تعذب الشياطين بنار مادية وعذاب مادي في محل مخصوص لما كان له أن يضطهد صراحة الكتب الدينية بأن الانسان الأثيم يعاقب في الآخرة بنار مادية في محل مخصوص.
اليعازر: يا رمزي كم ينبغي أن أقول يا للأسف على الأدب! ترى الرجل يريد أن يجادل أهل الأديان بكتبهم الدينية لكي يجحد القيامة والمعاد في الآخرة وحاصل مغالطته أن يقول [١] تارة إن الدلائل الموجودة في كتب الأديان على كون الانسان يلاقي جزاء أعماله في حالة مشتركة بين الروح والمادة والتي تؤيد أن جزاء الآخرة ماديا أزيد منه روحيا أكثر من أن تحصى). وتارة أخرى ينسب إلى الكتب الإلهية وأصحاب الأديان المعروفة بلا استثناء [٢] شيئا لا يمكن معه المعاد الجسماني مع أن صراحة الكتب الإلهية وتعاليم الأديان المعروفة تدحر هذه النسبة خاسئة. رجل تبعثه نزعته إلى أمر فيتستر بأنه يقوم [٣] بأن يمثل دور واحد من الفلاسفة فيتكلم بلسانهم وما عندهم من الشكوك إلى آخره - أفلا يشعر بأن الفلاسفة الذين يشير إليهم لا موقف لهم من الإلهيين في شأن المعاد فإن موقف الإلهيين في حقيقة المعاد إنما هو في مقام بعد الخطوة الأولى أعني الخطوة الأساسية أساس المعارف الدينية والنور الذي يوقف على الحقايق بأجلى مظاهرها ويدعم بنيانها بدعائم براهينه وحججه تلك خطوة العقل بدلائله الفطرية الأولية واعتباراته الحسية والوجدانية إلى اليقين بوجود الإله الخالق القادر واجب الوجود الغني العليم الحكيم وإنه بقدرته وحكمته وعلمه يرسل الرسل الصادقين العارفين بوحيه لكي يهدوا البشر إلى مناهج الصلاح ومواقف الحقائق ويكونوا لعقول البشر بمنزلة النظارات المكبرة والمقربة يجلون الحقائق بمجاليها. تجد الممثل لأحد الفلاسفة يتكلم في أمر المعاد بإحدى نزعتين: النزعة الأولى: وهي النزعة التي تغمز وترمز إلى جحود الإلهية والقدرة. النزعة التي يقول من جرائها أنه لا وسيلة لإدراك الحقائق
[١]ـ كتاب ماهية النفس صحيفة ٤٥.
[٢]ـ صحيفة ٤٨.
[٣]ـ صحيفة ٤٦. (*)