الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٣٥
التشبثات المتلاشية التي سمعت بعضها من رمزي ورأيت بعضها في المكتوبات. لماذا كان ذلك؟ فإن العلم لا يمنع وجود موجود ليس بذي مادة ولا من بقائه كما تشهد به التجارب في القوة زيادة على افتراض الأثير. مع أن النفس تثبت وجودها الروحاني ومزيتها الخاصة بالأدلة الكافية. أم كيف يقتحم المتدين في جحود بقاء النفس مع أنه ممكن ومن أهم أساسيات الأديان. هل يريد أن يشير بذلك إلى انسلاخه من الدين. ليس لغير المتدين إلا أن يقف في بقاء النفس موقف الشك. أو يجيل نظره وتحقيقه في أمر المذهب الروحاني الذي علا دويه في هذا العصر. الشيخ: يجد الانسان جهله بالكثير من الحقائق ولا يغيب عنه أن حقيقة النفس لا تحوم حولها مشاعره ولا تدخل بجميع أحوالها وأطوارها في حدود إدراكه. ويجد أنها في بعض أحوالها تثبت للبديهة وجودها الروحاني ومزيتها وبعض مزاياها الاستقلالية.
ومع ذلك يزعجها بعض الناس ويقلق العلم في أمرها. فتارة يجحد ما هو ثابت بالبداهة وتارة يتقحم ما يقصر عنه إدراكه البشري. لا يسترشد بالبديهيات ولا بنصيحة جهله العلمي ولا بهدى الهادي العليم في قوله جل شأنه في الآية السابعة والثمانين من سورة الاسراء المكية: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) لا من خلقكم لكي تحيطوا خبرا بحقيقتها ومزاياها. ماذا عرفتم عرفتم من حقيقة القوة وماهيتها. بل ماذا عرفتم من حقائق الجسمانيات وماهياتها حق المعرفة. لا يصل إدراككم أحيانا بعد الجهد الجهيد إلا إلى بعض آثار الحقائق وكم لكم أيها البشر في ذلك من خبط عشواء أفلا تعتبرون بأنكم محجوبون بحجاب الجسمانية (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) مما يمكن أن يدخل
في حدود إدراككم البشري فيناله بالتعلم الصحيح من خلال الحجاب الجسماني.
أعمال النفس تثبت وجودها المستقل ومزيتها الخاصة
٥ - ينام الانسان فيستولي السكون على جوارحه وينقطع إحساسه وتفكيره وإراداته العاديات ثم يكون لنفسه من وراء ذلك أمور: الأول: إنه يكون في حلمه يحس ويفكر ويريد ويتحرك ويتكلم ويسمع ويرى ويرتاح ويتألم ويضحك ويبكي ويخاف ويرضى ويغضب ويأمر وينهى مع أنه ليس لجوارح حسه عمل في ذلك ولا لتفكيراته ومعلوماته وأمياله العاديات. أفلا ينبغي أن أسترشد من ذلك إلى أن المبدأ العامل لهذه الأعمال هو جوهر مغاير للجسد وتركيبه يستعمل الجسد آلة لهذه الأعمال في حال اليقضة ويستغنى في حال النوم في أعماله عن تلك الآلات. الثاني: إنه يرى في منامه أمورا غيبية ليست مما يناله الحس أو أسباب العلم في اليقضة ويظهر مصداق ذلك بعد أيام كما وقعت عليه التجارب الكثيرة. فمن ذلك ما يكون برمز مطرد عرف مرموزه بتكرار التجارب كما يرمز قلع الأسنان في الحلم إلى موت الأقارب.
والتلوث بالنجاسات إلى الحصول على المال. إلى غير ذلك من الكثير المطرد ومن ذلك ما يكون بالصراحة في الأخبار عن أمر مستقبل أو واقع في مكان بعيد كوقوع السفر أو الاياب أو الموت أو الصحة. دع القائل يقول في الأمر الأول أن الصور المرتسمة في الحافظة تؤلفها المخيلة حسبما يتفق تأليفا جديدا مشوش النظام مختلف الترتيب فتبرز للادراك بهذا التأليف حلما كما يفعل مرتب المطبعة بحروفها فتبرز للقارئ كل آونة بشكل. لكن قل له إن جرينا معك فيما ذكرت في الحافظة والمخيلة وكونهما عوامل جسمانية فلا بد أن نسألك. ما هو المدرك لهذا التأليف؟ ومن هو القارئ لحروفه وكلماته؟ ومن ذا الذي يريد ويتحرك ويتكلم ويسمع ويرتاح ويتألم ويخاف ويغضب ويرضى ويضحك ويبكي ويأمر وينهى؟ من هذا الذي ينفعل بما في هذه من الانفعالات ويفعل ما في هذه من الأفعال؟ ليس للجسد في ذلك مداخلة في تجدد الفعل والانفعال إنك ترى الجسد حينئذ في قيد السكون. نجد أنا نحلم وندرك في الحلم أنه حلم فكيف يكون هذا من أعمال الجسد المحض وتركيبه.. نرى الانسان تارة ينسى حلمه وتارة يبقى في حفظه فهل يقول: إن الحافظة ترتسم بها أغلاط المخيلة في صور الحافظة؟ أم كيف ذلك؟ سامحناه في هذا الذي يعود إلى الأمر الأول وإن كانت الحقيقة لا تسامحه فماذا يقول في الأمر الثاني والادراك لما هو في صحيفة الواقع المحجوب. عن كل حس وكل شعور وحافظة ومخيلة.