الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٢٢
عمانوئيل: لماذا تسافل أمر البحث في ماهية النفس إلى مثل هذه التشبيهات؟ تجاري فكرك وننبهك على أن حياة الماكينة بالبخار إنما هي بتحريك المدك من تبادل حركته في الاسطوانة ومن ذلك تسري الحياة والتحريك إلى باقي الأجزاء ويغادر الاسطوانة معمل الحياة ويجري في مجاريه وهو بخار على كيانه يعمل أعمال البخار إلى أن يصل إلى الفضاء ثم يتحلل بتأثره بالعوامل فلتكن النفس كذلك تغادر الجسد وهي باقية على كيانها ومن أين لك أنها بعد ذلك ينحل كيانها بتأثير العوامل ولو قلت ذلك من فتاويك المجردة لكان غير ما تتفلسف به. لماذا لا تشبه النفس بمدير الماكينة الذي يضرم نارها ويزن بخارها وينظم أعمالها ويصلح أجزاءها ويستخدمها بشعوره لأمياله وأغراضه وبمدير السيارة ومدير السفينة الشراعية. ومدير المركب البخاري. وبالحائك بآلة الحياكة اليدوية.
فإن كان واحد من هؤلاء يستخدم بإرادته وش -؟ آلة أعماله الآلية من هذه المذكورات ثم إذا فسدت أجزاؤها بفساد لم يكن إصلاحه من وظائفه فإنه يغادرها وهو باق على كيانه وإدراكه وأعماله التي لا ترتبط بهذه الآلة. وإنك تجد هؤلاء المديرين المذكورين مع اتحادهم بالنوع الانساني يختلفون في الشعور والعلم والمدارك ويكفي بعضهم من الادراك والعلم ما لا يكفي الآخر ولكل منهم بحسب آلته عمل لا يقدر عليه الآخر ولا يصدر منه. فهذا الاختلاف في أعمال هؤلاء المديرين بحسب أغراضهم واستعدادهم وآلاتهم هل يدل أن الأعمال المذكورة إنما هي من خصائص الآلات المذكورة لا غيرها؟
وأنه ليس للمديرين كيان يبقى بعد مفارقتهم لهذه الآلات ولا صلاحية في ذاتهم للادراك والشعور؟ فالنفوس في أدنى الحيوان وأرقاه وإن كانت واحدة بالجنس أو بالنوع تكون مختلفة بالشعور والادراك والأخلاق والأعمال بحسب اختلافها في النوع أو في الصنف أو الخصائص للشخصية وبحسب استعدادها وآلاتها كما في اختلاف المديرين المذكورين. فلماذا يلزم أن تكون واحدة في جميع الصفات والخصائص كما جرى توهم ذلك في مصادر كلماتك. ترى المديرين المذكورين على أتم وفاق مع آلاتهم المذكورة في استخدامها في أعمالهم ما دامت سلامتها الطبيعية. يحفظون بقاء سلامتها بالمسح والدهن وإماطة الأذى ونحو ذلك مما تحتاج في حفظ بقائها على صحتها حسبما يدخل تحت قدرتهم فإذا خرجت عن نظامها الطبيعي وصلاحيتها للعمل ولم يكن إصلاحها من وظيفتهم ومقدورهم فارقوها وهم على كيانهم وإدراكهم وأعمالهم اللائقة بذاتهم ولا يقال إن كيان هؤلاء وشعورهم وبقاء ذواتهم تابع لسلامة آلاتهم.
فلماذا لا يكون مثال النفس مع الجسد مثال المدير مع آلته. ولماذا يتوهم خلافه ويجعل هذا الوهم الخرافي دليلا في المكابرات ويتقلب بهذا الوهم والتحكم الفارغ في عدة صحائف. لا تخفى الرابطة في الاستعمال بين المديرين المذكورين وآلاتهم ما دامت على نظامها الطبيعي. إذن فمن هو الذي يبدأ بالانفصال عند فسادها. وكلما تقول ههنا على الاستقامة في الشعور نقوله في انفصال النفس عن الجسد عند الموت.
رمزي: رأينا فيما سبق أن وظيفة النفس قائمة من جهة بإعطاء الحياة والحركة وتلك الحركة موجودتان في جسد الحيوان وجسد الانسان على السواء فأين الفرق بين نفسيهما.
عمانوئيل: ووظيفة المديرين للآلات المذكورة قائمة من جهة بإعطاء الحياة العملية والحركة وتلك الحياة وتلك الحركة موجودتان في السفينة البسيطة بيد المدير الذي لا يحسن ولا يعرف إلا إدارة السكان وجذب الشراع وإرخائه.