الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٢٢
إلى أن كبر (إلا رسول قد خلت) ومضت (من قبله الرسل) كنوح وإبراهيم وموسى وجاءوا بمعجزات تضاهي معجزات المسيح ونصحوا أممهم وتحملوا الشدائد في إرشاد الخلق. بل يقول العهد القديم إنه خلت من قبله أنبياء جاءوا بمثل ما جاء به من الآيات كإيليا واليشع (وأمه) امرأة بشرية (صديقة) وقد كانا بشرين فقيرين بفقر البشرية وحاجتها (كانا يأكلان الطعام) لرفع ضرورة الجوع وألمه وصيانة لبدنهما من الفساد بتحليل الطبيعة البشرية. ودع عنك ما كان يعتري المسيح من الحزن والبكاء والتألم والعطش وآثار الخضوع للفقر البشري ونقص البشرية وضعفها. أهكذا يكون الإله يا ذوي الشعور (انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون) وتخدعهم أهواؤهم فلا يصغون إلى الحجة الوجدانية (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) وتقولوا فيه (بغير الحق) فتألهون البشر الضعيف وتجحدون حقيقة التوحيد والإلهية (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) إذا سولت لهم أهواؤهم ووثنيتهم ضلالة الثالوث والأقانيم وتجسد الإله وتأليه البشر وخرافة الولادة من الله. كما لهج به الأسلاف والبراهمة والبوذيون والرومان واليونان وغيرهم من الأمم الوثنية. ولله الحجة البالغة يا عمانوئيل: إنك قلت في صحيفة ٣٧٢ و ٣٧٣ (إن أصحابك يقولون إن أمر الثالوث والأقانيم جاءت به الكتب المقدسة فوجب قبوله) يا صاحبي أين هذه الكتب المقدسة وأين صراحتها في الثالوث والأقانيم؟! هل هذه الكتب جامعة لشروط الاحتجاج بها؟ إذن فأين مضت دراستكم في الجزء الأول - أم أين صراحتها - وإنا
قد رأينا ما يتشبث به أصحابكم من كلمات العهدين وجمعت في رسالة قد ردتها رسالة التوحيد والتثليث المطبوعة في صيدا في مطبعة العرفان سنة ١٣٣٢ وفندت مزاعمها بتشبثاتها من حيث اللغة العبرانية ومواضيع العهد القديم ودلالته وربما نعترض لذلك وزيادة فيما يأتي بعون الله. ولكن لا بأس بمراجعة الرسالة المذكورة عاجلا فإنها مبذولة لمن يطلبها. الدكتور: يا شيخ ما هذه الضوضاء في الغلط الكثير من الإلهيين إذ يشركون ويؤلهون الجماد والحيوان والبشر. مع أن الذي يعترف بالإله يكون إشراكه وتأليهه للبشر من خرافة الأغاليط: فلماذا كان ذلك؟ الشيخ: إنك ترى الناس إذا أسلسوا قيادهم للهوى، أو للجهل المركب والتقليد الأعمى، أو للتشامخ والكبرياء كيف تذهب بهم هذه الدواهي مذاهبها وتقحمهم في ورطات الإفراط والتفريط فيتعامون عن بديهياتهم ودلائل وجدانهم ومحكمات أساسياتهم فتسهل عليهم لأجل ذلك مصاعب المستحيلات وتستحكم في أذهانهم خيالات الواهيات. ألا تنظر إلى الماديين لما علقت فكرتهم بالمبادئ المادية كيف ورطهم انهماكهم بها في إنكار الوجود بعد العدم حتى صاروا يغالطون في العبارة ويقولون يستحيل (حدوث الوجود من العدم) لكي يوافقهم الغر الغافل الذي يحسب أنهم يريدون من هذه العبارة أن الوجود لا يكون العدم مادته ولا فاعله. ألا تراهم كيف كابروا في هذا الانكار وجدانهم ومشاهداتهم التي لا تحصى.. وورطهم في فرض قديم أزلي لا يصفونه بوجوب الوجود حذرا من مطالبتنا لهم بلوازم وجوب الوجود. فأوقعتهم هذه الورطة بين محاذير المستحيلات وهي التسلسل إلى غير النهاية: أو الدور. أو افتراض أزلي لا يمكن تصور أزليته وافتراض الوقوف عليه بالتعليل ولا يؤدي تكلف هذا الافتراض وتحمل مسؤوليته للعلم إلا إلى حيرة الجهل وموقف الحيرة. وها هم قد قلقوا في مزاعم هذا الافتراض الموهوم ودارت بهم زوابعه بين نظريات الجواهر الفردة وزوابع الأثير أو تكاثفه.. وورطهم انهماكهم هذا أيضا في تعليل وجود هذا العالم (بالصدفة) والإيجاد بلا شعور ولا قصد للغاية. فراغموا وجدانهم فيما لهذا العالم وأجزائه من الخصائص الجليلة والحكم الباهر والمقاصد الكثيرة والنظام العجيب المتقن في أحواله وأدواره ومواليده هذه الأمور التي تنادي بالخلق على الحكمة وقصد الغاية. ولا يرضون بالصدفة لما دون ذلك كما مر في صحيفة ٥٧ و ٥٨ و ١٠٢ و ١٠٣ و ١٢٨ يتشامخون في غرورهم بالعلم والشعور لأجل اكتشاف يسير من نواميس الخلق. ويفرطون بجحود العلم والشعور لخالق العالم ونواميسه التي لا يكون سير العلم البشري في ميدانها الأقصر خطوة.
وأما المتدينون فمنهم من أقحمه جهله فيما لا سبيل إليه من معرفة الحقيقة الإلهية إذ كان السير في جادة الدلائل الحقيقية يحدد معلوماته ويعرفه قصوره عن الخوض في لجج هذا التيار العظيم بما عنده من مقدمات العلم البشري الصحيح فغالطته أوهامه بخيالات دلائل تقحمه أخطار الجهل المركب وتمنيه زورا بالامتياز بالوصول إلى أسرار العرفان فخبط وتاه ورجع القهقرى في لوازم مزاعمه عن قوله بوجوب الوجود وعلم الله وخلقه بالإرادة وحقيقة توحيده. ومن الناس من يتدلس باسم التدين ويمشي وراء غروره وتشامخه ولا ترضى غواية تكبره إلا بدعوى مقام الألوهية. فيغالط بمقدمات أسسها غيره لكي يبني عليها دعواه من الحلول والاتحاد والولادة من الله. ومنهم من لا يطمع في تأسيس دعوى لنفسه ولا يقدر أن يدلس نفسه إلا بتابعية غيره من الناس فيغالي بمتبوعه ويرفعه إلى مقام الإلهية لكي يتشامخ هو إلى أعلى مراتب البشر من الرسالة والنبوة ونحوهما. الدكتور: اللازم على الإلهيين في سيرهم على جادة وجوب الوجود أن يكون الإله الواجب الوجود في منتهى ما يتصور من بساطة الذات وعدم التركيب بجميع ما يتصور من أنحاء التركب فليس فيه جهة تعدد أصلا لا من حيث الأجزاء ولا من حيث الأفراد فهو واحد من جميع الجهات المتصورة.
الشيخ: نعم وهل يمكن العدول عن هذه الجادة والاضطهاد لهذه الحقيقة. لا، لا يمكن لا في الشعور العلمي ولا في الشعور الفطري. الدكتور: هل يخفى على ذي شعور أنه يجب في التعليل الطبيعي. أن يكون بين العلة ومعلولها الخاص مناسبة وارتباط طبيعي. الشيخ. من الواضح أنه يجب ذلك فلا يمكن أن تتعدد المعلولات مع وحدة الجهة التي تعللها تعليلا طبيعيا. فالبسيط الواحد من جميع الجهات لا يمكن أن يعلل طبيعيا إلا مثله بسيطا واحدا من جميع الجهات.