الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٠٥
لماذا تعلل الشعور بالقوة التي في الدماغ أو غيره، ولماذا تعلل هذه القوة وسائر الأعمال الارادية بالحياة. ولماذا تعلل الحيوة بالنفس. لماذا لا تقول إن هذه كلها من صدفة الجسم. لكن الحجر المسكين لم يتوفق لهذه الصدفة ولم يسمح دلال هذه الأنسة بمواصلته يوما. لماذا دام هجرها للحجر المسكين؟ يا من يبعث الشعور والفطرة على التعليل، ويعرف أنه مسؤول للانسانية وشرف الشعور وسلطان العلم عن استقامة التعليل والوقوف فيه على موقف علمي لا تتحمل فيه ملامة الشعور والوجدان وتوبيخ العلم. أين أنت عن التعليل بواجب الوجود العليم الحكيم؟ ماذا يصدك عنه؟ إذا صدقت النظر في شأن مولود الحيوان رأيت العجب وعرفت أن له مدرسا رؤوفا عالما يعرفه كيف يسلك في طريق الحياة الجديدة الذي لم يره قبل ذلك ولم يعرفه.
فترى المولود حين خروجه من بطن أمه كأنه تلميذ أكمل دروسه وتلقى علمه وأذى امتحانه وصارت له نوبة العمل في أعمال معيشته ولوازم حياته.
قد كان في الرحم ولم يألف في حياته هناك إلا ظلمات وأحشاء ومشيمة تبعث إليه من الحبل السري غذاءه وتأخذ فضوله من دون طلب منه ولا سعي في أمره. لم يعرف تغذيا بفم ولا غذاء من ثدي ولا طلبا للمعيشة ولا سعيا للرزق ولم يعرف أما ولم يألف لها حنانا. فتراه في أول ولادته ينادي بطلب غذائه ويسعى جهد قدرته في معيشته. فترى طفل الانسان إذا وضعته أمه على الثدي أول مرة يحاول الامتصاص ويدير فمه على الثدي باستعجال يطلب طريق رزقه فكأنه قد ألفه دهرا وقضى في لذته وطرا وأنس به زمانا حتى إذا التقم الحلمة سكن بكاؤه وقر قراره وصار يمتص اللبن بإقبال والتذاذ وسكون واستعجال. كأن له في هذه الأمور سابق تدريس وعلم وامتحان وتجربة ومحبة وألفة. ولقد شاهدت شاة حين ولادتها فرأيت جنينها زار الأرض مخرجا رأسه من كيسه طالبا للفرار منه كأنه يعرف أن هذا الكيس قد صار في دورة الولادة سجن الضيق والضرر والفقر بعد أن كان بيت الراحة والحماية والكفاية. فصار ذلك القادم الجديد الغريب يرغو بلجاجة ويتحرك باستعجال متوجها إلى ناحية رأس أمه الذي لم يره قط. يزحف مرتعشا ويتحرك مستعجلا متكلفا حتى إذا وصل إلى رأس أمه وتمكنت من لحس ما عليه من الرطوبات سكنت حركته واطمئن في مربضه فكأنه يقدم أعضائه إلى أمه لكي تلحس رطوباتها. أيها القادم الجديد هذه الرطوبات كانت ثوبك المألوف في دور الجنينية فلماذا تساعد على نزعه.