الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٠٤
رعادة كبيرة ١٢٠٠ عمود، وأن عدد الصفحات في البطارية في نوع ما بين مائتين وخمسين ألف وثلاثمائة ألف و ١٢٠٠ موشور وبين الصفحات سائل زلالي في المائة تسعون ماء وملح عادي. ومما ينبغي أن تستلفت له الأنظار الحرة أنا ذكرنا في الدورة الدموية أن الشرايين في الحيوان المولود تحمل من القلب دما شريانيا صافيا طاهرا من الفضول يقسم غذاءه على عموم الأعضاء، وأن الأوردة تحمل من الأعضاء دما وريديا مخلوطا بفضول البدن فتؤديه إلى الرئة لكي تطهره من الفضول والمواد الضارة فيعود إلى القلب فإلى الشرايين وهكذا. فنذكر لك الآن أن الحال في الجنين على العكس حيث إنه يكون من ناحية المشيمة مادة غذائه وإلى ناحيتها مخرج فضوله. فكانت الأوردة تحمل من الوريد السري المشيمي دما شريانيا طاهرا من الفضول تزور بغذائه أعضاء الجنين ثم ترجعه الشرايين إلى المشيمة دما وريديا حاملا إليها فضول الجنين بالشريان السري المشيمي وعلى هذا تجري الدورة ما دام جنينا، وبمجرد ولادته تنقلب دورة الدم إلى ما ذكرناه أولا. عجبا هل يكون هذا التدبير البارع وجمال الاتقان الرائع من طبيعة بكماء وصدفة عمياء؟ كل هذا الذي ذكرناه من عجائب الحكمة والغايات وهو بالنسبة لما لم نذكره ولا ندركه قطرة من بحر هل يكون كله من فلتات هذه الطبيعة وهذه الصدفة؟؟ إذا دخلت غارا صخريا ووجدت تجويفه على شكل هندسي فيه شئ من الكتابات وشئ من النقوش وشئ من حسن التخطيط وتنظيم قياس تجويفه، فإن وجدانك لا يسمح أن يكون ذلك من صدفة الطبيعة. بل تقول من أين لهذه البكماء وصدفتها هذه الصناعة البارعة المنظومة بسلطان العلم والشعور، صانع هذا المكان الجميل مقتدر على الصناعة عارف بالهندسة والكتابة وحسن التصوير، راقي الشعور، فله الثناء على صنعه لهذا المنظر البهيج الدال على قدرته وعلمه.
يا صاحبي فأين أنت عن النظر في عجائب هذا العالم وإتقان غاياته وجمال حكمته الفائقة ونظامه الباهر. وما ذكرنا لك من ذلك إلا قطرة من بحر وقليلا من كثير. فكيف تسمح بذلك كله لطبيعة فاقدة الشعور.
ما هي الطبيعة؟ هل هي الفرد أو النوع أو الجنس؟ هل لها وجود غير موجودات العالم؟ أم ليست هي إلا انتزاع وهمي ينتزعها العقل ويفترضها من تماثل الموجودات؟ يا صاحبي هذه الآلات الصوانية التي ذكرناها صحيفة ٥٧ والمدنية التي ذكرنا مثلها صحيفة ١٠٦ إنها تقصر ولا تقاس بنظام خلقة الحيوان فضلا عن غيره. وأراك وجميع الناس لا تسمحون بأن تكون من صنع الطبيعة العديمة الشعور وقلته الصدفة. فكيف تسمحون بأن هذا العالم العظيم العجيب وغاياته الشريفة المنتظمة في دهوره ومواليده كله يكون بصدفة الطبيعة البكماء. ما أعجب حالك وحال أصحابك مع طبيعتكم، فتارة تستحقرونها ويأتي وجدانكم أن تسمحوا بأن تنسبوا إلى صدفتها واحدا حقيرا مما ذكرناه من الآلات الصوانية ومثال المدينة والمغارة. وتارة تفرضون لها وجودا أصيلا وتسمحون لصدفتها بما لا يحصى من عظائم العالم في دهوره ومواليده. أين وجدانكم الذي تحكمون به في أمر القطع الصوانية ومثال المدينة والمغارة؟ ما أقوى يد تغمض عيون الوجدان في شأن العالم وصنعه!! أي يد مبرقعة هذه؟ ماذا يعينها وبأي نشاط تعمل أعمالها. ما أعجب هذه اليد المبرقعة، قد شابكت يد العلم فلوتها، وغطت على عين الوجدان فأسقطت حسها، لم يكن في الحسبان أن بذر أبيقورس للاستراحة الشهوانية ينمو هذا النمو في الأذهان مهما دملتها الأهواء بشهوانيتها. لا إخال لسانك يستطيع أن تقول كما يقوله بعض الشهوانيين العديمي العلم والشعور والذين لا بضاعة لهم ولا حجة إلا تبسم الاستهزاء وقولهم أين صانع العالم العليم الحكيم هل هو في آسيا أو أورپا أو إفريقيا أو أميركا وفي أي بلد هو إنا لا نراه بأعيننا ولا نلمسه بأيدينا ولا نسمع له صوتا. ألا تقول لهم قولوا ما هي الطبيعة، وأين هي، ولا نطالبكم ببيان وجودها الحقيقي الفعال في الموجودات وإعطائها الوجود الأصيل الحقيقي، أين رأيتم الجواهر الفردة؟ ولا نعارضكم بامتناع فرضها. كيف رأيتم مدارتها، وإلى أي جهة كانت تدور.
وما هو مقدار حركتها في السرعة؟ أين عصفت عليكم زوابع الأثير. وأين رأيتم الأثير وكيف وجدتموه. لا نطالبكم بهذه الافتراضات الموهومة. ولكن هل رأت أبصاركم أو سمعت آذانكم أو لمست أيديكم أشياء لا شك في وجودها وتحققها. منها هذا الشعور والادراك الذي يمتاز به الحيوان ويفتخر بكماله الانسان. ومنها هذه النفوس التي هي ملكة الأبدان وسلطان الحياة والشعور وعروس الوجود. هل أحسستم بها بحواسكم؟ ومنها روح الحقيقة ومظهر النعمة ولباس الزينة ومنشأ انتزاع الطبيعة وهو ذات الوجود الذي تزينت به الموجودات العالمية وتحققت حقائقها وأزهر ببهجته العالم. هل يرى أحد ذات الوجود أو يحس به بحواسه؟ لا تقل نعم. فإنك إنما تحس الموجود المحسوس لا بذات الوجود. أين الحواس من إدراكه؟