سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٢٥٩
قَالَ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ الدُّخَمْسِيْنِيُّ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بن أحمد بن النضر الأَزْدِيَّ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، وَسُئِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِهِ لَقَدْ كُنَّا تَعَلَّمْنَا كَلاَمَ القَوْمِ، وَكَتَبْنَا كُتُبَهُمْ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا فَلَمَّا سَمِعْنَا كَلاَمَهُ عَلِمْنَا أنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ جَالَسْنَاهُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ، فَمَا رَأَيْنَا مِنْهُ إلَّا كُلَّ خَيْرٍ فَقِيْلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ كَانَ يَحْيَى، وَأَبُو عُبَيْدٍ لاَ يَرْضَيَانِهِ يُشِيْرُ إِلَى التَّشَيُّعِ وَأنَّهُمَا نَسَبَاهُ إِلَى ذَلِكَ -فَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَا نَدْرِي مَا يَقُوْلاَنِ وَاللهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ إلَّا خَيْراً.
قُلْتُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَتَشَيَّعُ فَهُوَ مُفْتَرٍ لاَ يَدْرِي مَا يَقُوْلُ.
قَدْ قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الإِسْتِرَابَاذِيُّ: أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بنُ عَلِيٍّ الجَوْهَرِيُّ حَدَّثَنَا الرَّبِيْعُ بنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ الشَّافِعِيِّ فَمَا ارْتَقَى شَرَفاً، وَلاَ هَبَطَ وَادِياً إلَّا، وَهُوَ يَبْكِي وَيُنْشِدُ:
يَا رَاكِباً قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى ... وَاهْتِفْ بِقَاعِدِ خَيْفِنَا وَالنَّاهِضِ
سَحَراً إِذَا فَاضَ الحَجِيْجُ إِلَى مِنَىً ... فيضًا كملتط الفُرَاتِ الفَائِضِ
إِنْ كَانَ رَفْضاً حُبُّ آلِ محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
قُلْتُ: لَوْ كَانَ شِيْعِيّاً -وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ لَمَا قَالَ: الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُوْنَ خَمْسَةٌ بَدَأَ بِالصِّدِّيْقِ، وَخَتَمَ بِعُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ.
الحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ القَزْوِيْنِيُّ حَدَّثَنَا صَالِحُ بنُ أَحْمَدَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: سَمِعْتُ المُوَطَّأَ مِنَ الشَّافِعِيِّ؛ لأَنِّي رَأَيْتُهُ فِيْهِ ثَبْتاً وَقَدْ سَمِعتُهُ مِنْ جَمَاعَةٍ قَبْلَهُ.
الحَاكِمُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ الشَّاشِيَّ الفَقِيْهَ يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! عَلَى مَنْ دَرَسْتَ الفِقْهَ؟ فَسَمَّيتُ لَهُ أَبَا اللَّيْثِ فَقَالَ: وَعَلَى مَنْ دَرَسَ؟ قُلْتُ: عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ فَقَالَ: وَهلْ أَخَذَ ابْنُ سُرَيْجٍ العِلْمَ إلَّا مِنْ كُتُبٍ مُسْتَعَارَةٍ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَبُو اللَّيْثِ هَذَا مَهْجُورٌ بِالشَّاشِيِّ فَإِنَّ البَلَدَ حَنَابِلَةً فَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةُ: وَهَلْ كَانَ ابْنُ حَنْبَلٍ إلَّا غُلاَماً من غلمان الشافعي[١].
[١] هذا القول مجاف للصواب، فقد كان أحمد بن حنبل إمام أهل السنة قاطبة، وهذا الأسلوب في المدح ينبو عنه كل ذي ذوق سليم، وأدب رفيع -وحسبك ثناء العلماء على أحمد بن حنبل، وحسبك منهم قول الإمام ابن خزيمة لأحمد بن حنبل: أَنْتُم أَعْلَمُ بِالأَخْبَارِ الصِّحَاحِ مِنَّا، فَإِذَا كَانَ خَبَرٌ صَحِيْحٌ فَأَعْلِمْنِي حَتَّى أَذهبَ إِلَيْهِ كُوْفِيّاً كان أو بصريا، أو شاميا.
وروى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: أحمد بن حنبل أكبر من الشافعي، تعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث من أحمد بن حنبل، وكان الشافعي فقيها، ولم تكن له معرفة بالحديث فربما قال لأحمد: هذا الحديث قوي محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم، جعله أصلا وبنى عليه.