سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٥٣٢
وَمِنْهُمُ المُتَكَلِّمُ البَارِعُ:
١٧١٣- أَبُو المُعْتَمِرِ مُعَمَّرُ بنُ عَمْرٍو ١:
وَقِيْلَ: ابْنُ عَبَّادٍ البَصْرِيُّ السُّلَمِيُّ مَوْلاَهُمْ العَطَّارُ المُعْتَزِلِيُّ.
وَكَانَ يَقُوْلُ: فِي العَالَمِ أَشْيَاءُ مَوْجُوْدَةٌ لاَ نِهَايَةَ لَهَا وَلاَ لَهَا عِنْدَ اللهِ عَدَدٌ وَلاَ مِقْدَارٌ. فَهَذَا ضَلاَلٌ يَرُدُّه قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجِنُّ: ٢٨] وَقَالَ: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرَّعْدُ: ٨] وَلِذَلِكَ قَامَتْ عَلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ بِالبَصْرَةِ فَفَرَّ إِلَى بَغْدَادَ، وَاخْتَفَى عِنْدَ إِبْرَاهِيْمَ بنِ السِّنْدِيِّ.
وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ لَوْناً، وَلاَ طُوْلاً، وَلاَ عَرْضاً وَلاَ عُمْقاً وَلاَ رَائِحَةً، وَلاَ حُسْناً وَلاَ قُبْحاً وَلاَ سَمْعاً، وَلاَ بَصَراً بَلْ ذَلِكَ فِعْلُ الأَجْسَامِ بِطِبَاعِهَا فَعُوْرِضَ بِقَولِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاة} [المُلْكُ: ٢] فَقَالَ: المُرَادُ خَلْقُ الإِمَاتَةِ، وَالإِحيَاءِ وَقَالَ: النَّفْسُ لَيْسَتْ جِسْماً، وَلاَ عَرَضاً وَلاَ تُلاَصِقُ شَيْئاً، وَلاَ تُبَايِنُهُ وَلاَ تَسْكُنُ.
وَكَانَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّظَّامِ مُنَاظَرَاتٌ وَمُنَازَعَاتٌ، وَلَهُ تَصَانِيْفُ فِي الكَلاَمِ.
وَهَلَكَ فِيْمَا وَرَّخَهُ مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ النَّدِيْمُ سَنَةَ خَمْسَ عشرة ومائتين.
١ ترجمته في الفهرست لابن النديم "٢٠٧".
ومنهم:
١٧١٤- هِشَامُ بنُ عَمْرٍو ١:
أَبُو مُحَمَّدٍ الفُوَطِيُّ المُعْتَزِلِيُّ، الكُوْفِيُّ مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ.
صَاحِبُ ذَكَاءٍ وَجِدَالٍ وَبِدْعَةٍ وَوَبَالٍ.
أَخَذَ عَنْهُ: عَبَّادُ بنُ سَلْمَانَ وَغَيْرُهُ.
وَنَهَى عَنْ قَوْلِ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْلُ، وَقَالَ: لاَ يُعَذِّبُ اللهُ كَافِراً بِالنَّارِ، وَلاَ يُحْيِي أَرْضاً بِمَطَرٍ، وَلاَ يَهْدِي وَلاَ يُضِلُّ وَيَقُوْلُ: يُعَذَّبُوْنَ فِي النَّارِ لاَ بِهَا وَيُحْيِي الأَرْض عِنْدَ المَطَرِ لاَ بِهِ، وَأَنَّ مَعْنَى: نِعْمَ الوَكِيْلُ أَيِ: المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ.
قَالَ المُبَرِّدُ: قَالَ رَجُلٌ لِهِشَامٍ الفُوَطِيِّ: كَمْ تَعُدُّ مِنَ السِّنِيْنَ؟ قَالَ: مِنْ وَاحِدٍ إِلَى أَكْثَرَ مِن أَلفٍ قَالَ: لَمْ أُرِدْ هَذَا كَمْ لَكَ مِنَ السِّنِّ؟ قَالَ: اثْنَانِ وَثَلاَثُوْنَ سِنّاً قَالَ: كَمْ لَكَ مِنَ السِّنِيْنَ؟ قَالَ: مَا هِيَ لِي كُلُّهَا للهِ قَالَ: فَمَا سِنُّكَ؟ قَالَ: عَظْمٌ قَالَ: فَابْنُ كَمْ أَنْتَ؟ قَالَ: ابْنُ أُمٍّ وَأَبٍ قَالَ: فَكَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْ أَتَى عَلَيَّ شَيْءٌ لَقَتَلَنِي قَالَ: وَيْحَكَ! فَكَيْفَ أَقُوْلُ؟ قَالَ: قُلْ: كَمْ مَضَى مِنْ عُمُرِكَ.
قُلْتُ: هَذَا غَايَةُ مَا عِنْدَ هَؤُلاَءِ المُتَقَعِّرِينَ مِنَ العِلْمِ عِبَارَاتٌ وَشَقَاشِقُ لاَ يعبأ الله بها يرحفون بِهَا الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه قَدِيْماً وَحَدِيْثاً، فَنَعُوْذُ بالله من الكلام وأهله.
١ ترجمته في الفهرست لابن النديم "٢١٤".