نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٩ - القسم الثامن عالم الملائكة
المنظمة للملائكة، أو القيام المنظم لكل منها. وهذا عين ما ورد في خطبته عليه السلام في وصف المتقين لهمام
«أمّا الليل فصافون أقدامهم تالين لاجزاء القرآن» [١]
. وأخيراً المسبحون الذين لا يملون التسبيح والتحميد له سبحانه
«ومسبحون لا يسأمون»
. فظاهر هذه الجملة يفيد أنّ هؤلاء طائفة اخرى غير الطوائف الثلاث القائمة والراكعة والساجدة (و ان ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المسبحين هم الطوائف المذكورة سابقاً، حيث يمكن الاستشهاد ببعض الروايات التي تؤيد ماذهبوا إليه. فقد روي أنّه سئل النبي صلى الله عليه و آله: كيف صلاة الملائكة؟ فأطرق رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حتى نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال له:
«أنّ أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون سبحان ذي الملك والملكوت وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون سبحانه ذي العزة وأهل الجبروت وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون سبحان الحي الذي لا يموت» [٢].
لكن هل المراد بهذا السجود والركوع والقيام ذات أعمالنا في السجود والركوع والقيام أم إشارة إلى درجات خضوع الملائكة وعبادتهم حسب مراتبهم ومقاماتهم، المسألة محل بحث ونقاش. فاذا اعتبرنا الملائكة أجساماً لطيفة ولهم أيدي وأرجل ووجوه وجبهات فان المعنى الأول أنسب، وإن نفينا عنهم الأجسام، أو أقررنا بأن لهم جسم غير أنّه ليس على غرار أجسامنا فان المعنى الثاني هو الأنسب (وسنتحدث في الأبحاث القادمة عن هذا الأمر).
على كل حال فانّ هذه المجموعة من الملائكة منهمكة في عبادة اللَّه وتسبيحه وتقديسه وكأن مهمتهم مقتصرة على العبادة فقط. والواقع هو أنّ هذه آية بيّنة من آياته سبحانه وعظمة مقامه وعلو شأنه وعدم حاجته إلى عبادة العباد، وبعبارة اخرى فانّ المحتمل أنّ فلسفة خلقة هؤلاء الملائكة هو عدم اغترار العباد من الناس بعبادتهم وليعلموا على فرض المحال أنّه لو كان بحاجة إلى العبادة فانّ هناك الملائكة المنهمكين بالعبادة فلا ينبغي أن يتصور عباد اللَّه في الأرض ان عبادتهم أو عدمها ليست لها أدنى تأثير على كبرياء اللَّه وعظمته، ولو كفروا جميعاً لما ضره ذلك ذرة «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ» [٣]. ثم أشار عليه السلام إلى صفات هؤلاء الملائكة
[١] نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
[٢] بحار الانوار ٥٩/ ١٩٨.
[٣] سورة الزمر/ ٧.