نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤١ - القسم الثاني عشر بعثة الأنبياء وعظم مسؤوليتهم
وبعبارة اخرى فان اللَّه قد خلق الإنسان على هذه الفطرة الطاهرة التي تجعله يتعرف على حقيقة التوحيد في باطنه ويتطلع إلى الخير وينبذ الشر. ولو بقيت هذه الفطرة السليمة على حالها لحفت العنايات الإلهية الإنسانية جمعاء ولهدتها إلى السمو والكمال ولسهل لهم الأنبياء السبل إلى ذلك الكمال ولقل حجم المسؤولية التي نهض بعبئها هؤلاء العظام، غير أن الانحراف عن الفطرة سواء على مستوى المعارف التوحيدية لينتهي بالنزوع نحو الشرك والوثنية وعلى المستوى العملي ليقود الاستسلام إلى الأهواء والشياطين، قد أدى إلى مواترة بعث اللَّه للأنبياء وتحملهم لتلك المسؤوليات الخطيرة بغية إعادة البشرية إلى فطرتها الأصلية، وهذا ما تطرق له الإمام عليه السلام في العبارات اللاحقة من الخطبة والتي أشار فيها إلى عظم مسؤوليات الأنبياء وما اتصفوا به من خصال عملية ومكارم أخلاقية. ثم أشار الإمام عليه السلام إلى فلسفة بعثة الأنبياء فقال:
«فبعث فيهم رسله وواتر [١] إليهم أنبيائه ليستادوهم ميثاق
فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول».
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى أربعة أهداف رئيسية تقف وراء بعث الأنبياء. أولها:
طلب أداء ميثاق الفطرة فقد ذكرنا أن اللَّه سبحانه قد أودع المعارف التوحيدية فطرة الإنسان التي تقوده بصورة طبيعية- مالم تدنس وتلوث وتتعرف على الانحراف ودون نشأة صاحبها وولادته على الشرك بفعل انحداره من والدين مشركين- إلى عبادة الواحد الأحد وسوف يتطلع إلى الصالحات ويعشق الحق والعدل في ظل هذه الفطرة السليمة الموحدة، فقد جاء الأنبياء ليعيدوا الأفراد المنحرفين إلى هذه الفطرة التوحيدية المودعة لديهم.
الهدف الثاني: لتذكير الناس بنعم اللَّه التي اعترتها الغفلة والنسيان، فالإنسان ينطوي على نعم مادية ومعنوية جمة ولو استغلها كما ينبغي فانّه سيشيد صروح سعادته وفلاحه في حين سيفقد مثل هذه السعاة إذا ما نساها وتجاهل استعمالها واستغلالها. ومثله كمثل الفلاح
[١] «واتر» من مادة «وتر» بمعنى الفرد في مقابل الشفع بمعنى الزوج، وجاءت هنا بمعنى الواحد؛ أي أنّ الأنبياء قد أتوا الواحد تلو الآخر من أجل هداية الناس. وقال البعض معناها الموالاة مع الفاصلة، كأن يقال «واتر ما عليه من الصوم»؛ أي صام يوماً وأفطر آخر، في قبال «متدارك» الذي يعني الموالاة دون تخلل الفاصلة.