نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - القسم الثاني عشر بعثة الأنبياء وعظم مسؤوليتهم
إرتباط بعضهم مع البعض الآخر. فقد استهل كلامه عليه السلام بهذا الشأن قائلًا:
«واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم [١] وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم».
وعلى هذا الأساس فانّ الأنبياء قد عاهدوا اللَّه منذ بداية الوحي برعايته وايصاله إلى الناس على أنّه أمانة وعهد في أعناقهم.
نعم لقد تقبل الأنبياء عليهم السلام هذه المسؤولية العظيمة فجدّوا واجتهدوا في حملها وايصالها إلى الناس كأمانة ووديعة الهية. أمّا الحديث بشأن بعض الامور من قبيل: كيف اختار اللَّه هذه الصفوة من الأنبياء، وما حقيقة الوحي، وكيف يوحى للبعض بينما لا يوحى للبعض الآخر منهم، فنوكله إلى موضعه [٢].
والواقع هو أنّ العبارة المذكورة إشارة للآية: «وَ إِذ أَخَذنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» [٣].
ثم أشار عليه السلام إلى السبب الرئيسي لبعثة الأنبياء فقال:
«لما بدل أكثر خلقه عهد اللَّه إليهم فجهلوا حقّه واتخذوا الأنداد [٤] معه واجتالتهم [٥] الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته».
فالواقع لقد كانت إنعدام معرفة هؤلاء باللَّه سبحانه سبباً لأنّ يهووا في أودية الشرك الرهيبة ومن ثم تتلقفهم الشياطين فتصدهم عن طاعة اللَّه وعبادته. أمّا بشأن المراد بهذه العدّة وماهية العهد الإلهي، فقد أشار أغلب المفسرين وشرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد به ميثاق عالم الذر، ويمكن اعتبار ذلك إشارة إلى الفطرة [٦] التي تطرق لها الإمام عليه السلام في عباراته اللاحقة.
[١] «الميثاق» كما ورد في صحاح اللغة من مادة «الوثوق» بمعنى الاعتماد على أمانة الشخص. ومن هنا أطلق على الميثاق اسم العهد، لأنّه يدعو إلى الاطمئنان والوثوق (طبعاً كان الأصل موثاق ثم بدلت الواو بالياء).
[٢] انظر التفسير الموضوعي «نفحات القرآن» ٧/ ٣١٧.
[٣] سورة الأحزاب/ ٧.
[٤] «أنداد» جمع «ند» على (وزن) ضد بمعنى المثل، وأراد هنا المعبودين من دونه سبحانه وتعالى، بينما قال صاحب المقاييس أنّها تعني الانفصال والهروب والمخالفة. ولهذا قال اللغويون بأن الند لا يطلق على كل مثل، بل تطلق على المثل الذي يتخذ مساراً يخالف آخر في أعماله وأفعاله كالفرد الذي يماثل آخر إلّاأنّه يحاربه.
[٥] «اجتال» من مادة «جولان» بمعنى العصر، إلّاأنّها اقترنت بالحرف (عن) في عبارة الإمام عليه السلام فعنت الانصراف عن الشيء، ومعناها هنا صرفتهم عن قصدهم.
[٦] لقد ذكر هذا الاحتمال في الأبحاث المتعلقة بعالم الذر، حيث يمكن أن يكون تفسيرها بالمسائل الفطرية والاستعدادات الإلهية التي أودعها اللَّه الذات الإنسانية. وللوقوف أكثر على هذا الموضوع، راجع تفسير الأمثل ٧/ ٤.