الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧ - تفسير واستنتاج
بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ».
نحن نعلم أنّ القرآن الكريم عندما يتحدث عن الإنسان في واقعه السيء ويصفه بصفات ذميمة بصورة مطلقة، إنّما يقصد الإنسان المنفصل عن اللَّه في حركة الحياة ومن يعيش عدم الإيمان أو ضعف الإيمان، ولهذا ورد في الآية التي جاءت بعد الآيات مورد بحثنا: «إلَّا الّذِينَ صَبَروا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اولئِكَ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَرَيمٌ».
بهذا الاستثناء يتبيّن أنّ الأفراد الذين يعيشون حالة اليأس من رحمة اللَّه والغافلين والكفورين، أفراد لم يصلوا في واقعهم النفسي لمرحلة الإيمان بعد.
وعلى العموم يمكن أن نستنتج من الآيات الآنفة الذكر، أنّ الكفران وعدم الشكر تؤدي بالإنسان إلى التلّوث بصفات سيئة اخرى تحرمه المغفرة والأجر الكبير.
تعبير «لئن أذقنا» تعبير لطيف في الموردين فيقول: إنّ ضعاف النفوس والإيمان إذا سلبت منهم نعمة من النعم، فسرعان ما يجري على ألسنتهم الكفر ويدب اليأس في قلوبهم، وإن جاءتهم نعمة إذا بهم يغترّون ويتحركون في أجواء الغفلة والطغيان، والدنيا هي كلها شيء صغير وحقير، وما يصل إلى الإنسان منها أصغر وأحقر، ومع ذلك فإنّهم يتأثرون بسرعة لضعف نفوسهم وضيق آفاق إيمانهم.
ولكن الإيمان باللَّه تعالى ومعرفة ذاته المقدسة اللّامتناهية في القدرة والعلم، تمنح الإنسان عناصر القوة والحركة وتعينه على مواجهة أكبر الحوادث السيئة والحسنة دون أن تؤثر في نفسه شيئاً.
وتنطلق «الآية الخامسة» لتشير إلى الأفراد الذين يتوجهون إلى اللَّه تعالى عند وقوع المصيبة ويدعونه ويتوسلون بلطفه بكل وجودهم، وبمجرّد انقشاع سحائب الأزمة ينسون كل شيء ويكفرون مرّة اخرى:
«وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً»