الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - تفسير واستنتاج
اللَّه أو في قدرته وعلمه أو في أفعاله، وعلى أيّة حال فإنّ الآية الشريفة تنطلق من موقع الذم الشديد للجدال بالباطل.
قد ورد وهذا المعنى نفسه مع بعض الإضافات كذلك في (الآية الثامنة) من سورة الحج حيث تقول الآية: «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدىً وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ»
وهذه إشارة إلى أنّ البحث والنقاش إذا كان مقترناً مع العلم والمعرفة، أو مع هداية أولياء الدين والإنبياء الإلهيين، أو يكون مستنداً إلى كتاب من الكتب السماوية فليس لا ضرر فيه فحسب بل يمكنه أن يكون مفتاحاً لحل الكثير من المشاكل والأزمات الفكرية والعقائدية.
ولكن عندما لا تكون هذه العناصر الثلاثة الإيجابية على طاولة البحث والنقاش (أي العلم الشخصي، وهداية الأولياء، والإستناد إلى الكتب السماوية) فانّ الجدال سوف ينزلق في طريق الأهواء والتعصبات ويتحرك الإنسان معه في خط الباطل والإنحراف وبالتالي لا تكون نتيجته سوى الضلال والشقاء.
ويستفاد من الآية التاسعة من هذه السورة التي وردت بعد هذه الآية محل البحث أنّ أحد دوافع الجدال بالباطل هو التكبر والغرور والعجب والذي يتسبب في إضلال الآخرين أيضاً، فمثل هؤلاء الأشخاص يكون مصيرهم إلى الفضيحة في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة كما تقول الآية: «ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ».
«الآية الخامسة»: من الآيات محل البحث وضمن وصفها وتعريفها لمفهوم المجادلة بالباطل تشير إلى أحد الدوافع والجذور الأصلية لهذه الرذيلة الأخلاقية في واقع الإنسان وتقول: «إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ» هؤلاء لا يوجد في قلوبهم سوى التكبر والغرور حيث يريدون تحقيق نظراتهم من وحي الأهواء والتعصّب ولكنّهم لا يصلون إلى مرادهم ومقصودهم: «إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ».
كلمة (سلطان) تستعمل في مثل هذه الموارد بمعنى الدليل والحجّة والبرهان والتي