الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - أقسام المراء والجدال
البراهين المنطقية والدلائل المتينة، وإيصاد هذا الطريق على الناس يعني حرمانهم أو حرمان طائفة كبيرة منهم من الوصول إلى الحقائق وتحصيل الواقعيّات.
ونختم هذا الكلام بحديث جميل عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام عن جدّه الإمام الصادق عليه السلام حيث وقعت في محضره مجادلة كلامية في أمر الدين وأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام كانوا قد نهوا عن ذلك، فقال الإمام الصادق عليه السلام: «لَمْ يَنهْهُ عَنْهُ مُطلَقاً لَكِنَّهُ نَهى عَنْ الجِدالِ بِغَيرِ الَّتِي هِي أَحسنِ، أما تَسمَعُونَ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [١]، وَقَوله: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِوَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [٢]، فَالجِدالُ بِالَّتِي هِي أَحسَنُ قَد قَرَنَهُ العُلَماء بِالدِّينِ وَالجِدالِ بِغَيرِ الَّتِي هِي أَحسنُ مَحَرمٌ وَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى شِيعَتِنا، وَكَيفَ يُحَرِّمُ اللَّهُ الجِدالَ جملَةً وَهُوَ يَقُولُ: «وَقَالُوا لَن يَدخُلِ الجَنَّةَ إلّامَنْ كانَ هُوداً أو نصارى»، قالَ اللَّهُ تعالى: «تِلكَ أَمانِيهِم قُل هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ» [٣].
فَجَعلَ عَلمَ الصِّدقِ والإيمانِ بِالبُرهانِ وَهَل يُؤتى بِالبُرهانِ إلّافِي الجِدالِ بِالَّتِي هِي أحسَنُ؟
قِيل: يا ابنَ رَسُولِ اللَّهِ فَما الجِدالِ بِالَّتِي هِي أَحسَن وَالَّتِي لَيسَتْ بِأَحسَنَ؟
قالَ: أَمّا الجِدالَ بِغَيرِ الَّتِي هِي أَحسنُ أَن يُجادِلَ مُبطلًا فَيُوردُ دَلِيلًا باطِلًا فَلا تَردَّهُ بِحُجَةِ قَد نَصَبَها اللَّهُ تعالى وَلكن تَجحَد قَولَهُ ... وَأَمَّا الجِدالُ بالَّتِي هِي أَحسَنُ فَهُوَ ما أَمَرَ اللَّهُ تعالى بِهِ نِبِيَّهُ أَن يُجادِلَ بِهِ مَنْ جَحَدَ البَعثَ بَعدَ المَوتِ وَإِحياءُهُ لَهُ فَقالَ اللَّهُ حاكِياً عَنهُ: «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْىِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [٤] [٥].
[١]. سورة العنكبوت، الآية ٤٦.
[٢]. سورة النحل، الآية ١٢٥.
[٣]. سورة البقرة، الآية ١١١.
[٤]. سورة يس، الآية ٧٨ و ٧٩.
[٥]. بحار الانوار، ج ٢، ص ١٢٥، ح ٢ مع التلخيص.