الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٢ - مراتب سوء الظن
على مستوى الممارسة والكلام، ولا يصدر منه سلوك يشير إلى سوء الظن هذا فإنّه لا يقع مورد الذم ولا العقاب، ولذلك ذكر بعض علماء الأخلاق في هذا المجال: «وَأَمّا الخَواطرُ وَحَدِيثُ النَّفسِ فَهُو مَعفُوٌ عَنهُ ... وَلَكنَّ المَنهِيَّ عَنهُ أَنْ تَظُنَّ، والظَّنُّ عِبارَةٌ عَمّا تِركَنُ إِلِيهِ النَّفسُ وَيَميلُ إِلَيهِ القَلبُ» [١].
وخلاصة الكلام أنّ سوء الظن له ثلاثة مراحل:
أحدها: سوء الظن القلبي.
الثانية: سوء الظن اللّساني.
الثالثة: سوء الظن العملي.
فأمّا ما كان في القلب فلا يقع مشمولًا للتكليف لأنّه خارج عن دائرة الاختيار، ولكنّ ما يصدر من الإنسان بلسانه أو بعمله فهو الممنوع والحرام.
ولهذا ورد في بعض الروايات قوله عليه السلام: «وإِذا ظَنننتَ فلا تَحَقِّقْ» [٢].
الطريق الثاني: إنّ الكثير من أشكال سوء الظن غير الاختيارية تتضمّن مقدّمات اختيارية في البداية أو في إدامتها واستمرارها، فالأشخاص الذين يجالسون رفاق السوء فيحصل لهم سوء الظن بالأخيار ينبغي عليهم اجتناب مثل هذه المعاشرة ولمثل هؤلاء الرفاق من الفسّاق والأشرار حتى لا تحصل لديهم حالة سوء الظن تجاه الآخرين، وهذا أمر اختياري، ولكن لو حصل له سوء الظن بدون مقدّمات اختيارية، فيجب على الإنسان أن يتفكّر في حالته هذه ويضع في تصوّره احتمالات صحيحة إلى جانب الاحتمالات السيئة التي أورثته سوء الظن، مثلًا يقول: إنّ هذه المرأة الأجنبية التي رآها مع الشخص الفلاني، إمّا أن تكون أخته أو ابنة أخيه أو ابنة اخته أو زوجته وأمثال ذلك من أقرباء الشخص الذين لا يعرفهم هو، فلا شك أنّ مثل هذا التفكير السليم واحتمال هذه الاحتمالات الصحيحة يتسبب في إضعاف سوء الظن عنده أو يزيله تماماً من ذهنه، ولهذا ورد في الحديث الشريف
[١]. المحجة البيضاء، ج ٥، ص ٢٦٨.
[٢]. فرائد الاصول للشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره، في حديث الرفع؛ بحار الانوار، ج ٥٥، ص ٣٢٠، ذيل الحديث ٦.