الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢ - ذم طُلاب الجاه
أيضاً من مصاديق ذلك، فنقرأ في القسم الثالث من الآيات، أنّ الباري تعالى قال عن فرعون:
«وَنادَى فِرْعَوْنُ فِي قَومِهِ قالَ يا قُوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِنْ هذَآ الَّذي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبينُ فَلَولا الْقِيَ عَلَيْهِ اسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقتَرِنينَ».
وقد جمع فرعون في هذه الآية عدّة رذائل، الغرور، التكبر، حبّ الجاه واغفال البُسطاء من الناس، والغريب في الأمر أنّ فرعون شاهد معجزات النبي موسى عليه السلام بعينه ولكنه أصرّ واستكبر وتمسك بمسألة الطبقة الاجتماعية والأسورة من الذهب، ولثغة موسى عليه السلام في الكلام (بالرغم من أن اللثغة قد زالت منه بعد البعثة بعد ما طلب موسى ذلك من اللَّه تعالى).
وعلى أيّة حال فإن فرعون لم يزد قومه إلّاضلالًا.
وفي «الآية الرابعة» من هذه الآيات نواجه قصة «قارون» فهو من النماذج البارزة للأشخاص الذين يعيشون حبّ الجاه عند بني اسرائيل، وهي الصفة القبيحة التي أودت بحياته وأرسلته إلى الحضيض.
فيا للعجب من الغرور وحبّ الجاه كيف يضع الحجب على بصيرة وفهم الإنسان ويمنعه من درك أكثر الامور بداهةً، فعندما وعضه بعض بني اسرائيل وقالوا له: بما أنّ اللَّه قد أنعم عليك فابتغ فيما آتاك اللَّه من النعم الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، فكل شيء آيلٌ إلى الزوال وإيّاك أن تستعمل هذه الأموال للإفساد في الأرض ومحاربة الرسول عليه السلام.
فقال ذلك الرجل المغرور في جوابه: «قَالَ اوتيتُهِ عَلى عِلمٍ عِندي ...» قال ذلك واستمر في عناده وجموحه، ولأجل أن يرضي غريزة حبّ الجاه عنده، خرج على قومه بزينة من الخيل والخدّام وكثرة الغلمان الذين كانوا يجلسون على سرجٍ من ذهب ويلبسون أنواع الحُلي الذهبية.
وقد أخذ مثل ذلك المنظر البرّاق والمخادع بقلوب وعقول بني اسرائيل فقالوا: «قالَ الَّذِينَ يِرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما اؤتِيَ قارُونَ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظيمٍ».