الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥ - تفسير واستنتاج
إلهي مهم: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ»، فذكّرهم النبي عليه السلام بقضية الشكر ومعطياته والكفران وآثاره السلبية وذلكبعدما انتصروا على فرعون ونالوا الاستقلال وذاقوا طعم الحرية والعظمة وظهرت منهم بوادر كفران النعمة.
جملة «لأزيدنّكم» فيها أنواع من التأكيدات، فهي وعد إلهي قطعي للشاكرين، بأنّه سيزيدهم من فضله، واللطيف في الأمر أنّ اللَّه تعالى لم يخاطب كفّار النعمة بالقول:
«لُاعذّبنكم» بل قال: «إنّ عذابي لشديد» وهو نهاية اللطف والرحمة في دائرة التعامل المولوي تجاه المخلوقين، وفي نفس الوقت تهديد شديد ووعيد مخيف لكفّار النعم بأنّ عليهم أخذ العبرة من قصة بني اسرائيل عندما كفروا أنعُم اللَّه «فتاهوا» في الصحراء أربعين سنة.
في «الآية الثانية» يدور الحديث عن النبي سليمان عليه السلام وقومه، عندما اقترح عليهم أن يأتوه بعرش ملكة «سبأ»، فقال له أحد حواريه وكان عنده علم من الكتاب: «أنا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أن يَرتدَّ إلَيكَ طَرفُكَ»، فشعر سليمان عليه السلام بالفرح يغمر نفسه لوجود مثل هذه الشخصيات في بلاطه ولديهم الروحيات والمعنويات القوية، فقرر أن يشكر الخالق تعالى، فقال:
«وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ».
والجدير بالذكر أنّ ثواب الشاكر ذكر في هذه الآية بوضوح، ولكن عقاب من يكفر بالنعمة ذكر بصورة غير مباشرة «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ» حيث ركزت الآية على كرم اللَّه تعالى، وهو نهاية رحمة اللَّه ولطفه في دائرة التخاطب مع الإنسان.
ويمكن استفادة نقطة مهمّة اخرى من الجملة الانفة الذكر، وهي أنّ اللَّه تبارك وتعالى يحذّر عباده من الكفر ويدعوهم للشكر لا لحاجة منه إليهم، وحتى على فرض كفران النعمة فإنّه يفيض من كرمه ولطفه على الناس لعلّهم يرجعون عن غيّهم ولا يحرمون أنفسهم من أنعُم اللَّه تعالى.