فائق المقال فى الحديث و الرجال - البصري، أحمد بن عبد الرضا - الصفحة ٥٣ - ٢٢ فصل كيفية الأخذ بالأحاديث الواردة عن رسول الله عليه و آله صلوات الله
و القرائن المجوّزة عند الأكابر و الأبرار، و الأعيان و الأخيار، المرضيّة المقرّرة المضبوطة المحرّرة، يمكن التوصّل إلى التفصّي منه بصدقه و كذبه، و صحيحه و عليله، فيؤخذ الصواب المحمود، و يترك ما عداه المردود.
ثمّ إنّه قد دلّ الحديث الشريف و الخبر المنيف أيضا دلالة صريحة قويّة صحيحة على أنّه كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أبهج نهج الدين بنور كماله- بل قوله عليه صلوات الملك المتعال: «قد كثرت عليّ الكذّابة» تصريح بوقوعه مطلقا غير مرّة كما لا يخفى على أهل الكمال.
قال شيخ المسلمين بهاء الملّة و الدين في شرح الأربعين عند تفسير هذا الخبر الجيّد المعتبر:
لا ريب في أنّه قد كذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للتوصّل إلى الأغراض الفاسدة، و المقاصد الباطلة من التقرّب إلى الملوك و ترويج الآراء الزائفة و غير ذلك.
و دعوى صرف القلوب عن ذلك ظاهرة البطلان، و ما تضمّنه هذا الحديث من قوله صلّى اللّه عليه و آله: «قد كثرت عليّ الكذّابة» دليل على وقوعه؛ لأنّ هذا القول إمّا أن يكون قد صدر عنه صلّى اللّه عليه و آله أو لا، و المطلوب على التقديرين حاصل كما لا يخفى؛ و لوجود الأحاديث المتنافية التي لا يمكن الجمع بينها، و ليس بعضها ناسخ لبعض قطعا. و ما ذكره عليه السّلام من وضع الحديث للتقريب إلى الملوك قد وقع كثيرا.
فقد حكي أنّ غياث بن إبراهيم دخل على المهديّ العباسى و كان يحبّ المسابقة بالحمام فروى عن النبىّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: «لا سبق إلّا في خفّ أو حافر أو نصل أو جناح». فأمر له المهديّ بعشرة الآف درهم، فلمّا خرج قال المهديّ:
أشهد أنّ قفاه قفا كذّاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أو جناح» و لكن هذا أراد أن يتقرّب إلينا. و أمر بذبح الحمّام و قال: أنا حملته على ذلك.
و قد وضع الزنادقة- خذلهم اللّه- كثيرا من الأحاديث، و كذلك الغلاة و الخوارج. و يحكى أنّ بعضهم كان يقول بعد ما رجع عن ضلالته: انظروا إلى هذه الأحاديث عمّن تأخذونها فإنّا كنّا إذا رأينا رأيا وضعنا له حديثا.
و قد صنّفت جماعة من العلماء كالصغاني و غيره كتبا في بيان الأحاديث