روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩ - المرحلة الثانية في بيان مفهوم الآيتين
لهم : (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) ، فأخبر تعالى أنّه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم ، ولا شكّ في أنّ ما نفاه الله تعالى غير الّذي أثبته ، فالإدراك غير الرؤية والحجّة لقولنا قول الله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَةٌ * إلى رَبِّها ناظِرَة)[١][٢] .
يلاحظ عليه : أنّ الشبهة تعرب عن أنّ صاحبها لم يقف على كيفية الاستدلال بالآية على نفي الرؤية ، فزعم أنّ أساسه هو كون الإدراك في اللغة بمعنى الرؤية ، فردّ عليه بأنّه ليس بمعنى الرؤية ، بشهادة أنّه سبحانه جمع في الآية بين إثبات الرؤية ونفي الدرك ، ولكنّه غفل عن أنّ مبدأ الاستدلال ليس ذلك ، وقد قلنا سابقاً : إنّ الإدراك في اللغة بمعنى اللحوق والوصول وليس بمعنى الرؤية ابتداءً ، وإنما يتعيّن في النظر والرؤية حسب المتعلّق ، ولأجل ذلك لو جرّد عن المتعلّق ـ كما في الآية ـ لا يكون بمعنى الرؤية ، ولذلك جمع فيها بين الرؤية ونفي الدرك; لأنّ الدرك هناك بحكم عدم ذكر المتعلّق كالبصر ، بمعنى اللحوق والوصول ، فقد وقع الترائي بين الفريقين ، ورأى فرعون وأصحابه بني إسرائيل ، ولكن لم يدركوهم أي لم يلحقوهم .
وعلى ضوء ذلك إذا جرّد عن المتعلّق مثل البصر والسمع يكون بمعنى اللحوق ، وإذا اقترن بمتعلّق مثل البصر يتعيّن في النظر والرؤية ، لكن على وجه الإطلاق من غير تقيّد بالإحاطة .
فبطل قوله : بأنّ الادراك يدلّ على معنى زائد على النظر وهو الإحاطة ، بل
الإدراك مجرّداً عن القرينة لا يدلّ على الرؤية أبداً ، ومع اقتران القرينة ووجود المتعلّق يدلّ على الرؤية والنظر على وجه الإطلاق من غير نظر إلى الفرد الخاص من الرؤية .
[١] القيامة : ٢٢ ـ ٢٣ . [٢] ابن حزم ، الفصل في الملل والنحل ٣ : ٣٢; ولاحظ : ابن قيم الجوزية ، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح : ص٢٢٩ .