روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠ - المرحلة الثانية في بيان مفهوم الآيتين
وبذلك يظهر أن ما أطنب به الرازي في كلامه لا يرجع إلى شيء ، حيث قال : لا نسلّم أنّ إدراك البصر عبارة عن الرؤية ، بل هو بمعنى الإحاطة ، فالمرئي إذا كان له حدّ ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته صار كأنّ ذلك الإبصار إحاطة به فسمّى هذه الرؤية إدراكاً ، أمّا إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسمّ تلك الرؤية إدراكاً ، فالحاصل أنّ الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة ، ورؤية لا مع الإحاطة ، والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك; فنفي الإدراك يفيد نفيَ نوع واحد من نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس ، فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عنه .
ثمّ قال : فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم[١] .
ويلاحظ عليه بأنّ ما ذكره الرازي كان افتراءً على اللغة للحفاظ على المذهب ، وهذا أشبه بتفسير القرآن بالرأي ، ولولا أنّ الرازي من أتباع المذهب الأشعري لما تجرّأ بذلك التصرّف .
ونحن بدورنا نسأله : ما الدليل على أنّ الادراك إذا اقترن بالبصر يكون بمعنى الإدراك الإحاطي ، مع أنّنا نجد خلافه في الأمثلة التالية ، نقول : أدركت طعمهُ أو ريحهُ أو صوتهُ ، فهل هذه بمعنى أحطنا إحاطة تامّة به ، أو أنه بمعنى مجرّد الدرك بالأدوات المذكورة من غير اختصاص بصورة الإحاطة؟ مثل قولهم أدرك الرسول ، فهل هو بمعنى الإحاطة بحياته ، أو يراد منه إدراكه مرّة أو مرّتين؟ ولم يفسّره أحد من أصحاب المعاجم بما ذكره الرازي .
وحاصل الكلام : أنّ اللفظة إذا اقترنت ببعض أدوات الإدراك كالبصر والسمع يحمل المعنى الكلّي ، أي اللحوق والوصول ـ على الرؤية والسماع ـ سواء كان الإدراك على وجه الإحاطة أو لا ، وأما إذا تجرّدت اللفظة عن القرينة تكون
[١] الرازي ، مفاتيح الغيب ١٣ : ١٢٧ .