روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٠
ومعناهما معاً رأيت نوراً منعني من رؤيته ، لا أنّه تعالى نور ، وأنّه لذلك لا يُرى ، وهذا يتلاقى ويتّفق مع قوله :«حجابه نور» ولذلك جعلنا أحاديث النور شاهداً واحداً في موضوعنا ، وهي تدلّ على عدم رؤية ذات الله عزّ وجلّ وامتناعها[١] .
السادس : إنّ القائلين بالرؤية على فرقتين : فرقة تعتمد على الأدلّة العقلية دون السمعية ، وفرقة أُخرى على العكس .
فمن الأُولى سيف الدين الآمدي (٥٥١-٦٣١هـ ) يقول : لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي; إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعيّة; وهي ممّا يتقاصر عن إفادة القطع واليقين ، فلا يذكر إلاّ على سبيل التقريب[٢] .
ومن الثانية الرازي في غير واحد من كتبه فقال : إنّ العمدة في جواز الرؤية ووقوعها هو السمع ، وعليه الشهرستاني في نهاية الاقدام[٣] .
والحقّ أنّ من حاول إثبات الرؤية بالدليل العقلي فقد حرم عن نيل مرامه; فإنّ الأدلّة العقلية التي أقامتها الأشاعرة في غاية الوهن; فإنّهم استدلّوا على الجواز بوجهين : أحدهما يرجع إلى الجانب السلبي ، وأنّه لا يترتّب على القول بالرؤية شيء محال ، والآخر يرجع إلى الجانب الإيجابي وهو أنّ مصحّح الرؤية في الأشياء هو الوجود ، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق[٤] .
أظنّ أنّ كلّ من له أدنى معرفة بالمسائل العقلية يدرك ضعف الاستدلال; إذ كيف لا يترتّب على الرؤية بالعين تشبيه وتجسيم ، مع أنّ الرؤية بالمعنى الحقيقي
[١] تفسير المنار ٩ : ١٩٠ . [٢] الآمدي ، غاية المرام في علم الكلام : ١٧٤ . [٣] الرازي ، معالم الدين : ٦٧; والأربعون : ١٩٨; والمحصل : ١٣٨; الشهرستاني ، نهاية الاقدام : ٣٦٩ . [٤] الإمام الأشعري ، اللمع : ٦١-٦٢ .