روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥ - المرحلة الثانية في بيان مفهوم الآيتين
بالشيء ووصوله إليه ، يقال : أدركت الشيء أُدركه إدراكاً ، ويقال : أدرك الغلام والجارية إذا بلغا ، وتدارك القوم : لحق آخرُهم أوّلهم ، فأمّا قوله تعالى : (بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاْخِرَةِ)[١] فهو من هذا ، لأن علمهم أدركهم في الآخرة حين لم ينفعهم[٢] .
وقال ابن منظور مثله ، وأضاف : ففي الحديث «أعوذ بك من درك الشقاء» أي لحوقه ، يقال : مشيتُ حتى أدركتهُ ، وعشتُ حتى أدركتُه ، وأدركتُه ببصري أي رأيته[٣] .
إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول فله مصاديق كثيرة ، فالإدراك بالبصر التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر ، والإدراك بالمشي ، كما في قول ابن منظور : مشيت حتّى أدركته ، التحاق الماشي بالمتقدّم بالمشي ، وهكذا غيره .
فإذا قال سبحانه : (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ) يتعيّن ذلك المعنى الكلي (اللحوق والوصول) بالرؤية ، ويكون معنى الجملة أنه سبحانه تفرّد بهذا الوصف وتعالى عن الرؤية دون غيره .
المرحلة الثانية : في بيان مفهوم الآيتين :
أنه سبحانه لما قال : (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ) ربما يتبادر إلى بعض الأذهان أ نّه إذا صار وكيلا على كلّ شيء ، يكون جسماً قائماً بتدبير الأُمور
الجسمانية ، لكن يدفعه بأنه سبحانه مع كونه وكيلا على كلّ شيء (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ) .
وعندما يتبادر من ذلك الوصف إلى بعض الأذهان أنه إذا تعالى عن تعلّق
[١] النمل : ٦٦ . [٢] ابن فارس ، مقاييس اللغة ٢ : ٣٦٦ . [٣] ابن منظور ، اللسان ١٠ : ٤١٩ .