روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٢ - آية ( إلى ربّها ناظرة )
فلا شك أنّ الآيات الأربع الاُول واضحة لا خفاء فيها ، وإنّما الإبهام وموضع النقاش هو الشقّ الأوّل من التقابل الثالث ، فهل المراد منه جدّاً هو الرؤية ، أو أنّها كناية عن انتظار الرحمة؟ والّذي يعيّن أحد المعنيين هو الشقّ الثاني من التقابل الثالث ، أعني : (تَظنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) فهو صريح في أنّ أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم ، ويظنّون نزوله . وهذا الظن لا ينفكّ عن الانتظار ، فكلّ ظانّ لنزول العذاب منتظر ، فيكون قرينة على أنّ أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربّهم ، أي يرجون رحمته ، وهذا ليس تصرّفاً في الآيات ولا تأويلا لها ، وإنّما هو رفع الإبهام عن الآية بالآية المقابلة لها ، وترى ذلك التقابل والانسجام في آيات أُخرى ، غير أنّ الجميع سبيكة واحدة .
١ ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ) يقابلها : (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ)[١] .
٢ ـ (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) يقابلها : (تَرْهَقُهَا قَترَةٌ)[٢] .
فإنّ قوله : (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) قائم مقام قوله : (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فيرفع إبهام الثاني بالأوّل .
٣ ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَةٌ) يقابلها: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ* تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً)[٣] .
٤ ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَةٌ) يقابلها : (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّة عَالِيَة)[٤] .
أُنظر إلى الانسجام البديع ، والتّقابل الواضح بينهما ، والهدف الواحد ، حيث الجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة ، إلى ناضر ومسفر ، وإلى ناعم وباسر ،
[١] عبس : ٣٨ ـ ٣٩ . [٢] عبس : ٤٠ ـ ٤١ . [٣] الغاشية : ٢ ـ ٤ . [٤] الغاشية : ٨ ـ ١٠ .