روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٣
أَوْحَى) يؤكّد على شدّة اقتراب النبيّ من جبرئيل ، أي على بُعد ما بين القوسين أو أدنى ، وهو تعبير عن منتهى القرب .
والضمائر كلُّها إلاّ المجرور في (إِلَى عَبْدِهِ) ترجع إلى جبرئيل الّذي كُنّي عنه بشديد القوى ، وأين هو من قربه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ منه سبحانه .
ومن التفسير الخاطئ هو إرجاع الضمير في قوله (ثمّ دنا فتدلّى) إلى النبيّ ، وتفسير الآية بقرب النبي من الله على أقرب ما يمكن ، وبالتالي تصوّر انّ لله جهةً وقرباً وبعداً ، وبذلك يتّضح خطأ مَنْ فسّر الآية على نحو أثبت لله جهة وقرباً .
إنّ المرئي في قوله : (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى) حسب الآيات المتقدّمة هو الأُفق الأعلى ، والدنوّ والتدلّي والوحي ، وحسب الآية اللاّحقة هو آيات الربّ حيث قال : (لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)[١] ومن تلك الآيات هو جبرئيل الّذي هو شديد القوى ، وأين الآية من الدلالة على رؤية النبيّ ربَّه .
ومن التفسير الخاطئ جعل المرئي في قوله : (مَا رَأى) هو الربّ ، ومن حسن الحظّ أنّ السنّة أيضاً تفسّر الآية برؤية جبرئيل .
عن مسروق قال : «كنت متّكئاً عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة! ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفِرية ، قلت : ما هُنّ؟ قالت : من زعم أنّ محمّداًـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية ، قال : وكنت متّكئاً فجلست ، فقلت : يا أُمّ المؤمنين أنظريني ولا تعجليني! ألم يقل الله عزّ وجلّ : (وَلَقَدْ رَآهُ بِالاُْفُقِ الْمُبِينِ)[٢] و (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)[٣]؟ فقالت : أنا أوّل هذه الأُمّة سأل عن ذلك رسول اللهـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال : «إنّما هو جبرئيل لم أره على صورته
[١] النجم: ١٨ . [٢] التكوير: ٢٣ . [٣] النجم: ١٣ .