روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١ - ٢ ـ اختلاف الأحكام باختلاف الظروف
اللغوية ، ولا يجوز لنا حملها على معانيها المجازية ، كالقدرة في اليد مثلا ، ولما رأوا أنّ ذلك يلازم التجسيم التجأوا إلى قولهم «يد بلا كيف» ولكنّهم خفي عنهم أنّ الكيفية في اليد والوجه وغيرهما مقوّمة لمفاهيمها ، فنفي الكيفية يساوق نفي المعنى اللغوي ، فكيف يمكن الجمع بين المعنى اللغوي والحمل عليه بلا كيف؟!
ومنه يعلم حال الرؤية بالبصر والعين; فإنّ التقابل مقوّم لمفهومها ، فإثباتها بلا كيف يلازم نفي أصل الرؤية ، وقد عرفت أنّ الكلام في النظر بالبصر والرؤية بالعين ، لا الرؤية بالقلب أو في النوم .
وقد أوضحنا حال الصفات الخبرية في بحوثنا الكلاميّة[١] .
٢ ـ اختلاف الأحكام باختلاف الظروف :
إنّ بعض المثقّفين الجُدد لمّا أدركوا بعقولهم أنّ الرؤية لا تنفكّ عن الجهة التجأوا إلى القول بأنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا ، ولعلّ الرؤية تتحقّق في الآخرة بلا هذا اللاّزم السلبي .
لكن هذا الكلام رجمٌ بالغيب; لأنّه إنْ أراد من المغايرة بأنّ الآخرة ظرف للتكامل وأنّ الأشياء توجد في الآخرة بأكمل الوجوه وأمثلها ، فهذا لا مناقشة فيه ، يقول سبحانه : (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً)[٢] ولكن إنْ أراد أنّ القضايا العقلية البديهية تتبدّل في الآخرة إلى نقيضها فهذا يوجب انهيار النُّظم الكلامية والفلسفيّة والأساليب العلميّة التي يعتمد عليها المفكّرون من أتباع الشرائع وغيرهم; إذ معنى ذلك أنّ النتائج المثبتة في جدول الضرب سوف تتبدّل في الآخرة إلى ما يباينها فتكون
[١] لاحظ بحوث في الملل والنحل ٢ : ٩٦-١٠٥ . [٢] البقرة : ٢٥ .