روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨ - المرحلة الثانية في بيان مفهوم الآيتين
ولا ينالُه غوصُ الفِطَن»[١] .
فهل يحتمل الرازي في هذه الآيات والجمل سلب العموم وأنـّه سبحانه لا يحبّ جميع المعتدين والكافرين والظالمين ، ولكن يحبّ بعضَ المعتدين والكافرين والظالمين ، أو أنّ بعض القائلين يبلغون مدحته ويحصون نعماءه .
وهذا دليل على أنّ الموقف المسبق للرازي هو الّذي دفعه لدراسة القرآن لأجل دعمه ، وهو آفة الفهم الصحيح من الكتاب .
الشبهة الثالثة : الإدراك هو الإحاطة
إن هذه الشبهة ذكرها ابن حزم في فِصَله ، والرازي في مفاتيح الغيب وابن قيّم في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح[٢] ، وقد أسهبوا الكلام في تطوير الشبهة ، ولا يسع المقام لنقل عباراتهم كلها ، وإنّما نشير إلى المهم من كلماتهم .
وبما أن الأساس لكلام هؤلاء هو ابن حزم الظاهري نذكر نصّ كلامه أوّلا .
قال : إنّ الإدراك في اللغة يفيد معنى زائداً عن النظر ، وهو بمعنى الإحاطة ، وليس هذا المعنى في النظر والرؤية ، فالإدراك (الإحاطة) منتف عن الله تعالى على كلّ حال في الدنيا والآخرة ، والدليل على ذلك قوله سبحانه : (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)[٣] ، ففرّق الله عزّ وجلّ بين الإدراك والرؤية فرقاً جليّاً; لأنّه تعالى أثبت الرؤية بقوله : (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) ، وأخبر تعالى بأنّه رأى بعضهم بعضاً فصحّت منهم الرؤية لبني إسرائيل ، ولكن نفى الله الإدراك بقول موسى _ عليه السلام _
[١] نهج البلاغة ، الخطبة الأُولى . [٢] وقبلهم الطبري كما سيوافيك نصّه في خاتمة المطاف . [٣] الشعراء : ٦١ ـ ٦٢ .