روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧ - المرحلة الثانية في بيان مفهوم الآيتين
والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالّة على أنّه جائز الرؤية حسب ذاته[١] .
إنّ هذا التشكيك يحطّ من مقام الرازي ، فهو أكثر عقلية من هذا التشكيك ، وذلك لأ نّه زعم أن المدح بالجملة الأُولى ، أعني قوله سبحانه : (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ) وغفل عن أنّ المدح بمجموع الجزأين المذكورين في الآية ، بمعنى أنّه سبحانه لعلوّ منزلته لا يُدرَك وفي الوقت نفسه يُدرِك غيره ، وهذا ظاهر لمن تأمّل في الآية ونظيرها قوله سبحانه : (يُطعِم ولا يُطعَم) فهل يرضى الرازي بأنّه سبحانه يمكن له الأكل والطعم؟
الشبهة الثانية :
إنّ لفظ الأبصار صيغةُ جمع دخل عليها الألف واللام فهو يفيد الاستغراق ، فقوله : (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ) بمعنى لا تراه جميع الأبصار ، وهذا يفيدُ سلبَ العموم ولا يفيد عمومَ السلب[٢] .
يلاحظ عليه : أنّ المتبادر في المقام كما في نظائره هو عموم السلب أي لا يدركه أحد من ذوي الأبصار ، نظير قوله سبحانه : (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[٣] وقوله سبحانه : (فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)[٤] وقوله سبحانه : (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[٥] .
يقول الإمام عليّ _ عليه السلام _ : «الحمد لله الذي لا يبلُغُ مدحتهُ القائلون ، ولا يُحصي نعماءه العادّون ، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون ، الذي لا يُدركه بُعد الهِمم ،
[١] الرازي ، مفاتيح الغيب ١٣ : ١٢٥ . [٢] الرازي ، مفاتيح الغيب ١٣ : ١٢٦ . [٣] البقرة : ١٩٠ . [٤] آل عمران : ٣٢ . [٥] آل عمران : ٥٧ .