روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٥
الطعام ، أي لحق حال النُّضْج ، وأدرك الزرع والثمرة ، وأدرك الغلامُ إذا لحق حال الرجال ، وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إيّاه ، لأنّه لا خلاف بين أهل اللغة إنْ قال القائل أدركت ببصري شخصاً معناه : رأيته ببصري ، ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة; لأنّ البيت محيط بما فيه وليس مدركاً له ، فقوله تعالى : (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ ) معناه : لا تراه الأبصار ، وهذا مدح ينفي رؤية الأبصار كقوله تعالى : (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ)[١] وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإنّ إثبات ضدّه ذَمّ ونَقْص فغير جائز إثبات نقيضه بحال ، كما لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سِنَة ولا نوم لم يبطل إلاّ إلى صفة نقص ، فلمّا تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضدّه ونقيضه بحال; إذكان فيه إثبات صفة نقص .
ولا يجوز أنْ يكون مخصوصاً بقوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[٢] لأنّ النظر محتمل لمعان ، منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف ، فلمّا كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه ، والأخبار المرويّة في الرؤية إنّما المراد بها العلم لو صحّت ، وهو علم الضرورة الّذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك; لأنّ الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة[٣] .
* * *
العاشر : أنّ من كتبَ حول الرؤية من إخواننا أهل السنة ـ من غير فرق بين النافي والمثبت ـ فقد دقّ كلّ باب ، ورجع إلى كلّ صحابي وتابعي ، ومتكلّم
[١] البقرة : ٢٥٥ . [٢] القيامة : ٢٢ ـ ٢٣ . [٣] محمّد بن علي الرازي الجصّاص ، أحكام القرآن ٣ : ٤ .