روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤ - الشبهة الأُولى لو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها الكليم ـ عليه السلام ـ
خروره صعقاً وإفاقته وإنابته ، ثمّ إنّه بعدما سار بقومه إلى الميقات سأله قومه أن
يُرِي الله لهم جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون .
الثانية : عكس الصورة الأُولى; بأن يسير موسى بقومه إلى الميقات ثمّ يسألونه رؤية الله جهرة فيحدث ما حدث ثمّ هو في يوم آخر أو بعد تلك الواقعة يسأل الرؤية لنفسه فيُخاطب بقوله : (لَنْ تَرَانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ)[١] .
إنّ العقل يحكم بامتناع كلتا الصورتين عادة حسب الموازين العادية .
أمّا الأُولى ، فلو كان موسى متقدّماً في السؤال وسمع من الله ما خاطبه به بقوله (لَنْ تَرَانِي) كان عليه أن يذكّر قومه بعواقبِ السؤال ، وأنّه سألها ربّه ففوجئ بالغشيان ، مع أنّه لم يذكرهم بشيء مما جرى عليه حين طلبهم ، ولو ذكّرهم لما سكت عنه الوحي .
أمّا الثانية : فهو كذلك; لأنّه لو كان قد تقدّم سؤال قومه الرؤية وقد شاهد موسى ما شاهد حيث اعتبر عملهم سفهياً فلا يصحّ في منطق العقل أن يطلب الكليم ذلك لنفسه بعد ذلك مستقلا .
وكل ذلك يؤكد عدم وجود ميقاتين ولا لقاءين ولا سؤالين مستقلّين ، وإنّما كان هناك ميقات واحد ولقاء واحد وسؤالان بينهما ترتّب وصلة ، والدافع إلى السؤال الثاني هو نفس الدافع إلى السؤال الأوّل ، وعندئذ لا يدلّ سؤال موسى الرؤية على كونها أمراً ممكناً لاندفاعه إلى السؤال من قبل قومه .
وتوضيح ذلك : أنّ الكليم لمّا أخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه ، قال قومه : لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعتَ ، فاختار منهم سبعين رجلا لميقاته وسأله سبحانه أن يكلِّمه ، فلمّا كلّمه الله وسمع القوم كلامه قالوا : (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً) فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم ، وإلى هذه الواقعة تشير
[١] الأعراف : ١٤٣ .