روية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٦ - الشبهة الأُولى لو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها الكليم ـ عليه السلام ـ
وصف السؤال بالسفاهة ، فلم يبق هناك إلاّ احتمال آخر; وهو أ نّه بعدما عاد قومه إلى الحياة أصرّوا على موسى وألحّوا عليه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم ، حتّى تحلّ رؤيته لله مكان رؤيتهم ، فيؤمنوا به بعد إخباره بالرؤية[١] ، وهذا هو المعقول والمرتقب من قوم موسى الّذين عرفوا بالعناد واللجاج ، وبما أنّ موسى لم يُقْدِم على السؤال إلاّ بإصرار منهم لكي يسكتهم ، لذلك لم يتوجّه إلى الكليم أيُّ تَبِعة ولا مؤاخذة ، بل خوطب بقوله : (لَنْ تَرَانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)[٢] .
وللإمام عليّ بن موسى الرضا _ عليهما السلام _ هنا كلام حول سؤال موسى :
قال عليّ بن محمّد بن الجهم : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليّ بن موسى _ عليهما السلام _ ، فقال له المأمون : يا ابن رسول الله أليس من قولك : أنّ الأنبياء معصومون؟ قال : بلى ، فسأله عن آيات من القرآن ، فكان فيما سأله أن قال له : فما معنى قول الله عزّ وجلّ : (وَلَمَّا جَاءَ مُوسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران _ عليه السلام _ لا يعلم أنّ الله ـ تعالى ذكره ـ لا تجوز عليه الرؤية حتّى يسأله هذا السؤال؟
فقال الرضا _ عليه السلام _ : «إنّ كليم الله موسى بن عمران _ عليه السلام _ علم أنّ الله تعالى عن أن يُرى بالأبصار ، ولكنّه لما كلّمه الله عزّ وجلّ وقرّبه نجيّاً ، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّ وجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت ، وكان القوم سبعمائة ألف رجل ، فاختار منهم سبعين ألفاً ، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف ثمّ اختار منهم سبعمائة ثمّ اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربّه ، فخرج بهم إلى طور سَيناءَ ، فأقامهم في سفح الجبل ،
[١] أو لتستمعوا إلى النصّ باستحالة ذلك من عند الله كما سيوافيك في كلام الزمخشري . [٢] الأعراف : ١٤٣ .