الشفاء المنطق (البرهان - الجدل)

الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١

تصدير للدكتور ابراهيم مدكور

بدأ البحث العلمى لدى اليونان في صورة حوار و نقاش، إن في شئون الكون أو في شئون الإنسان. و في ضوء ذلك حدد موضوعه، و رسم منهجه، و أقيمت مبادئه. و قد بلغ هذا الحوار أشده في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد على أيدى السوفسطائيين، الذين اتخذوا منه حرفة ترمى إلى جمع المال و كسب المواقف المختلفة بالحق و بالباطل. ثم جاء سقراط فقوّم أودهم، و ردّ على مغالطاتهم، و حوّل الحوار إلى ضرب من الجدل، إلى ذلك «التوليد» الذي يقوم على أسئلة دقيقة محكمة تؤدى إلى تحديد المعنى و كشف الحقيقة.

و لقد سار أفلاطون على نهج أستاذه، فسلك سبيل الحوار في أغلب مؤلفاته.

و محاورات الشباب، أو السقراطية، لا تعبّر عن آراء سقراط فحسب، بل تردد لغته و أسلوبه، و تسجل نقاشه و جدله. و في محاورات الكهولة و الشيخوخة يستكمل الجدل الأفلاطونى أدواته، و يصبح منهجا واضحا للبحث و الدراسة. يقسم و يصنف، ينتقل من فكرة إلى أخرى، و من قضية إلى قضية، حتى يصل إلى عالم المثل و المعانى الأزلية. و الجدليّ الحق هو ذلك الذي ينظر إلى العلوم نظرة شاملة، و يدرك حقائق الأشياء. و أضحت الأكاديمية معهدا لتخريج جدليين حقيقيين.

و لم يكن بد من أن يتأثر أرسطو بذلك كله، و يأخذ بقدر من الحوار و الجدل.

و له في شبابه محاورات شبيهة بالمحاورات الأفلاطونية، و ما منطقه في جملته إلا وليد الجدل السقراطى الأفلاطونى. بيد أنه يوم أن اهتدى إلى نظرية القياس هان عليه أمر الجدل، و عدّه مجرد مران ذهنى لا يبلغ مستوى المنهج العلمى. و كتاب‌