الشفاء المنطق (البرهان - الجدل)

الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٩

المنطق الأول، لأنه يقينى، فلا بد أن يذعن له الإنسان حتى لو انفرد مع نفسه، بمعنى أن العقل الصريح في الإنسان لا بد أن يقبله، ما دام يعتمد من جهة الصورة على مقدمات إذا رتبت ترتيبا معينا لزم عنها نتيجة بالضرورة. أما المنطق الثاني فلا يخاطب به الإنسان نفسه، بل: «منفعته المخصوصة به هو فى أمر مشترك، و في أن يخاطب غيره»[١]. و الأول منفعته للإنسان مع نفسه بالذات و مع غيره بالعرض، و الثاني منفعته للإنسان مع غيره بالذات و مع نفسه بالعرض.

و الغرض من المنطق الأول معرفة المجهول بالطريق اليقينى ما دام الفكر ترتيب أمور معلومة ليتأدى منها إلى أن يصير المجهول معلوما. و لكن الغرض من المنطق الثاني «الغلبة» أساسا. و الغلبة تغليب، و التغليب ترجيح رأى على آخر، و استحسان مقدمة مشهورة عن مقدمة أخرى. و من هنا كان منطق الجدل منطق رجحان. و في ذلك يقول ابن سينا: «و أيضا ينتفع به من وجه آخر:

أنه إذا لم يجد يقينيات أخذ مشهورات تنتج طرف نقيض، و أخذ أخرى تنتج طرفا آخر، فلا يزال يرجح بينها ترجيحا بعد ترجيح، حتى ربما يلوح له الحق و يخرج به إلى اليقين .... لكن هذا النفع، و النفع الأول‌[٢]، ليسا هما عنه بما هو قياس؛ فإن القياس- بما هو قياس- نفعه هو بما ينتج.

و الأول- مما عددناه- نفعه بشي‌ء يعرض أن يتبع نتيجة، و هو الغلبة. و الثاني نفعه بشي‌ء يعرض أن ينكشف عن حال مقدماته، بأن يتخصص و يتحصل منها بعض، و يتزيف بعض ...»[٣].


[١] الجدل، ص ١١.

[٢] يشير إلى نفع الجدل في الغلبة، و هو ما ذكره من قبل، و ما يكرره مباشرة بعد قليل.

[٣] الجدل، ص ١٢.