الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٤٦
و قد فطن المحدثون إلى التمييز بين هذين النوعين من الأحكام: التقريرية التي تعبر عن الواقع، و التقويمية التي تعبر عما حقه أن يكون. و قد سمى «دوركهيم» الأحكام التقريرية أحكاما «شيئية»، و سماها «جوبلو» «وجودية»، أىjugements d ' existence ‑١ و قد أبدى الأستاذ لالاند بعض الاعتراض على هذين المصطلحين، نعنى الشيئية و الوجودية، فقال: «و لكن هاتين التسميتين لا تؤديان المعنى المراد تمام التأدية، و قد لاحظ ذلك المسيو جوبلو نفسه، فإن الحكم بأن: «تربيع الدائرة بالمسطرة و البرجل ممتنع» يثبت أمرا مقررا، و لا ينظر إلى شيء أو وجود خارجيين»[٢].
و لقد أدرك ابن سينا الفرق بين الأحكام الوجودية- أى التقريرية- و بين الأحكام التقويمية، فصرح بأن النوع الأول يعتمد على الوجود، و أن النوع الثاني يعوّل على النسبة، أى نسبة شيء إلى شيء آخر؛ و هذا النوع الأخير هو عمدة صناعة الجدل. و بذلك ميز تمييزا واضحا بين البرهان و الجدل، بين منطق اليقين و منطق الرجحان.
الأخلقية:
و في ذلك يعقب بعد كلامه عن الجنس و الحد و الخاصة و العرض قائلا:
«و اهتم بالنظر في باب الأولى و الأخرى، لأن العرض- كما قد علمت- قد يقبل الأشد و الأضعف، و تكون بعض الأشياء التي من شأنها أن تشترك أولى بعرض من بعض. و لا كذلك فيما هو جنس أو حد أو خاصة.
[١] جوبلو، المرجع السابق، ص ٤.
[٢] لالاند: محاضرات في الفلسفة، نفسية الأحكام التقويمة، ترجمة يوسف كرم- مطبوعات الجامعة المصرية ١٩٢٩، ص ٣٤.