الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣٨
و قد جمع ابن سينا ثلاثة أمثلة لأنواع المواضع على التوالى، فقال: أما مثال المسألة المنطقية، فقولنا: هل المتضادات يوجد حد بعضها في بعض؟ و أما مثال المسألة الخلقية، فقولنا: هل اللذة مؤثرة جميلة أم لا؟ و أما مثال المسألة الطبيعية، فقولنا: هل العالم أزلى أم محدث، و هل النفس تفسد أم تبقى؟
إن البحث في الطبيعيات و لو أنه جزء من المباحث العلمية التي ينظر فيها البرهان بوجه خاص، إلا أنه قد يكون من «مواضع»[١] الجدل. و لكن الأمور الخلقية بمقتضى طبيعتها لا يختص البرهان بالبحث فيها، و إنما الذي يبحث فيها هو الجدل.
و العلة في ذلك أنه ينظر إليها كأحكام قيمة.
صفوة القول: المقدمات و المسائل إن كانت منطقية، «فإنها تراد لغيرها من الامور النظرية و العملية»[٢]، فهى في الواقع خارجة عن موضوع الجدل.
و إن كانت نظرية فهى علمية طبيعية، و هذه لا تكون نافعة للإنسان «بوجه من الوجوه، و ربما كان فيها ما ينفع في أفعالنا، كمعرفتنا أن النفس باقية ... فإن هذا ينفع بوجه من الوجوه في العلم الخلقى ....»[٣].
فلم يبق في الواقع للجدل من موضوع أساسى يبحث فيه إلا الخلقيات، التي تخضع أحكامها للقيمة.
[١] الجدل، ص ٨٣.
[٢] الجدل، ص ٨٢.
[٣] الجدل، ص ٨٣.