الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣١
ورد عليه كل الرد، و ليس يستحق «الرجل» كل ذلك النكير، و كل ذلك الرد ..»[١] و لم يصرح ابن سينا باسم ذلك «الرجل»، و لا ندرى أ هو أحد شراح أرسطو من اليونانيين أو السريان، أم هو أحد مناطقة العرب. و لكن ابن سينا ينصفه و يرى أن لوجهة نظره ما يبررها. و الوجه في تقديم البرهان هو: حسن الاختيار، و الشفقة على الزمان؛ و الوجه في تقديم الجدل هو حسن التدرج، فإن «مدار الجدل إنما هو على القياس و الاستقراء، و من كل واحد منهما برهانى و غير برهانى»[٢]. و لذلك فطن أولا للجدل، ثم انتقل للبرهان. و فضلا عن ذلك فإن طلب المجهول يكون فى «أكثر الأمر بأن تورد قياسات جدلية على سبيل الارتياض، ثم يتخلص منها إلى القياس البرهانى»[٣]
منطق الرجحان:
إن القائلين بأن الجدل من جنس منطق البرهان، و لكنه مرحلة متقدمة عليه، و نافعة في الارتياض، يؤثرون أن يأتى الكتاب أولا في الترتيب. و إلى هذا ذهب المحدثون الذين حللوا كتب أرسطو، و بينوا- كما رأينا- أن أرسطو ألف الجدل قبل اكتشافه نظرية التحليلات. و يرى القائلون بتأخير الجدل أن البرهان يطلب الحق و اليقين، و الجدل لا شأن له إلا بالمشهور. و الفرق بينهما يبلغ من الوضوح حدا يجعل المنطقين مختلفين، لأن منطق البرهان قضايا تنتج الحق من ذاتها، و منطق الرجحان تتدخل فيه عوامل نفسانية و اجتماعية خارجية هى التي تميل به إلى الرجحان.
[١] المرجع السابق، ص ٥٤.
[٢] المرجع السابق، ص ٥٥.
[٣] الشفاء، البرهان، ص ٥٦.