الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٥٢
شرائط إليها. فإذا لم يشعر بجميع الشرائط التي تقترن بها حتى تصير علة موجبة، بل شعر بأكثرها، حكمنا بالأولى»[١].
من الواضح التمييز هاهنا بين نوعين من العلة: الموجبة، و المستدعية أو الداعية.
فالعلة الموجبة تتم باقتران كل الشرائط التي يتحتم وجود الشيء مع اجتماعها، و العلة الداعية إلى الحكم ترجح وجود الشيء و لا تحتمه لنقص بعض الشرائط.
و العلة الموجبة لا يعتبر فيها ما حقه أن يكون، بل ما هو واقع فقط. و هذه التفرقة بين ما هو واقع، و بين ما حقه أن يكون، يسميها ابن سينا: «بحسب الوقوع»، و «بحسب الجميل»، و يفرق بينهما في اللغة الانجليزية- عند الكلام عن الأخلاق- بقولهم:the "is "، وthe "ought ". و قد وضح ابن سينا هذه التفرقة الدقيقة بالمثال الآتى:
«و الأولى بحسب الوقوع هو كما يقول القائل: إن لفلان عند فلان حقوقا، و قد قصده، فالأولى في نفس الأمر أن يقضيها، حاكما بأن ذلك الأمر واقع.
و أما الأولى بحسب الجميل، فهو أن يقول: فالأولى بالمقصود، أى الأجمل به، أن يقضيها و يعرفها ....[٢]» و لما كان الحكم الواجب الترجيح يقتضى معرفة كل الشرائط الخارجية و النفسية الداعية إلى العلة، فإن الجهل ببعضها يؤدى إلى التردد في القول بوقوع الشيء. «لكن ما نشعر فيه بوجود سبب[٣]، أو بزيادة الأسباب المرجحة، نظن أن الأولى به أن يكون ...»[٤].
[١] الجدل، ص ١٤٧.
[٢] الجدل، ص ١٤٨.
[٣] نلاحظ أن ابن سينا يستخدم هاهنا السبب و الأسباب محل العلة و العلل. و يمكن القول بأن العلة تقابلcause و أن السبب يقابلreason .
[٤] الجدل، ص ١٤١.