الشفاء المنطق (البرهان - الجدل)

الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣٦

إن ابن سينا ينكر تماما قول من يذهب إلى منفعة الجدل في تحصيل مبادئ العلوم. و في ذلك يقول بصراحة: «و لا تلتفت إلى ما يقال: إنه لما كانت المبادئ للعلوم لا مبادئ لها، فلا قياسات من مقدمات حقيقية صادقة برهانية عليها، فلا بد من أن نقيس عليها من مقدمات مشهورة. فإنه ليس تقع الصناعة الجدلية فى ذلك من هذه الجهة ...»[١]. ذلك أن مبادئ العلوم بيّنة بأنفسها، و هى أوضح من الجدليات، و ليس على المعلم إلا أن يحيل المتعلم لها على شهادة الحس، و التجربة، و الثقات. أما البيّنات بنفسها فإن لها طريقا آخر خلاف طريق الجدل، و في علم آخر[٢].

إن فائدة الجدل الحقيقية- فى رأى ابن سينا- ليست في إقناع كل مخاطب، بل في تحصيل القدرة على إثبات ما يحاول الجدلى إثباته، و إبطال ما يحاول إبطاله‌[٣].

المواضع:

إن الذي دعا إلى القول بمنفعة الجدل في العلوم، أنه يعتمد على «المواضع» التي سمى كتاب أرسطو باسمها. و سبق أن ذكرنا صعوبة المقصود بالموضع. و قد واجه ابن سينا هذه الصعوبة، و اجتهد في حلها. و كان يعرف أن كتاب الجدل يسمى بالمواضع‌[٤]، و عرف الموضع بأنه: «حكم منفرد من شأنه أن تتشعب منه أحكام كثيرة تجعل كل واحد منها جزء قياس. مثل قول القائل: إنه إن كان الضد موجودا لشي‌ء، فضده سيكون موجودا لضد الشي‌ء. فهذا حكم مشهور ...»[٥]


[١] الجدل، ص ٥٠.

[٢] الجدل، ص ٥١.

[٣] الجدل، ص ٥٣.

[٤] الجدل، ص ٣٨.

[٥] الجدل، ص ٣٨.