الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٤
ذلك أن مقدمات القياس البرهانى يقينية و مباشرة، و لذا كان هذا القياس علميا.
على حين أن مقدمات القياس الجدلى ليست يقينية و لا مباشرة، بل «راجحة»، أى ذائعة مشهورة يقبلها كل الناس، أو معظمهم، أو الحكماء منهم.
أما القياس الممارى فمقدماته راجحة في الظاهر لا في الحقيقة، فالفرق بينه و بين الجدلى هو فرق ما بين الظاهر و الحقيقة، بين الباطل و الحق.
و مع أن الجدل ليست له منزلة العلم اليقينى، إلا أنه مطلب ليس عبثا لا طائل وراءه، كالحال في المراء، أو الجدل لمجرد الجدل. و قد حدد أرسطو للجدل فوائد ثلاث:
(١) الارتياض.
(٢) الدربة على جدال الخصوم.
(٣) النفع في العلوم.
و قد أفاض أرسطو في بيان الفائدتين الأولى و الثانية، و لكنه لم يوضح تماما كيف يعين الجدل في طلب العلوم. فهو يقول إنه يكسبنا القدرة على مناقشة ما يؤيد الدعوى أو يعارضها، فنتمكن بعد ذلك من التمييز بين الحق و الباطل.
و أيضا فلا سبيل إلى معرفة مبادئ العلوم إلا بأخذها من الآراء المشهورة لدى العلماء. و هذا يناقض ما قرره في كتاب «البرهان» من أن الاستقراء أحد الطرق الموصلة إلى مبادئ العلوم، و أن طريقها الآخر هو الأوليات التي تحصل في العقل بالفطرة.