الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٤٥
بينهما فقط بصرف النظر عن الاعتبارات الشخصية، لكان العلم أفضل. و لكن إذا أخذ في الاعتبار الظروف الشخصية كالعرى أو الجوع و غير ذلك، فإن الشخص يؤثر ما يحقق حاجته العاجلة الضرورية.
تحليل قضايا القيمة:
و قد غفل ابن سينا، كما غفل أرسطو، عن تحليل قضايا القيمة، و بيان اختلافها في طبيعتها المنطقية عن القضايا الحملية التي رد إليها أرسطو كل أنواع القضايا. ذلك أن أساس القضية الحملية عند المعلم الأول «الوجود»، أى وجود الموضوع ثم إسناد المحمول إليه، و العلاقة بين هذين الحدين وجودية أساسا و تسمى حملية؛ و الحمل إما كلى و إما جزئى، بحيث يدخل الموضوع تحت المحمول بأي نوع من الدخول.
أما قضايا القيمة فالعلاقة بين حديها مختلفة، مثل قولنا: «الصحة أفضل من المال». فالعلاقة «أفضل من» أو «أولى» أو «آثر» إلى غير ذلك، خلاف علاقة الوجود التي هى مدار الحمل، كما نقول: الإنسان حيوان، «فلو لم يكن الحيوان موجودا، لم يكن الإنسان موجودا «[١] و كذلك «من قال الإنسان فقد دل على وجود الحيوان»[٢]. و يجرى ذلك عن الجنس و النوع و الفصل و الخاصة، لأنها من الذاتيات. و لكن ليس الحال كذلك في العرض، لأنه قد يكون موجودا و قد لا يكون، و إن وجد فقد يقبل الأشد و الأضعف، أو تكون بعض الأشياء أولى بعرض من بعض.
[١] يذهب ابن سينا كما نرى في هذا المثال إلى أن الوجود ينصرف إلى الموضوع كما ينصرف إلى المحمول، على خلاف جمهرة المناطقة الذين يجعلون الوجود متصلا بالموضوع. أنظر جو بلو في كلامه عن الرابطةGoblot ,Traite de Logique ,p ١٨٣ -١٨٤ .
[٢] الجدل، ص ٦٠.