الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣
فى لغة سهلة و أسلوب واضح، و إن كان يجارى «طوبيقا» أرسطو إلى درجة عز معها ما امتاز به الأستاذ الرئيس من دقة التبويب. و الواقع أن «طوبيقا» ليست على غرار ما عرف في المؤلفات العلمية الأرسطية الأخرى من منهج واضح و عناية بالمبادئ و الأمور الكلية، و يحاكيه «الجدل» السينوى الذي يعوزه أحيانا أن يعنون لبعض الفصول عنوانا دقيقا محكما. و باختصار لا يكاد يخرج «جدل» ابن سينا عن «طوبيقا» أرسطو إلا في بعض التفاصيل و الجزئيات، و بخاصة ما اتصل ببعض المناقشات الإسلامية، كالخصومة حول خلق القرآن.
و أساس الاستدلال الجدلى عند ابن سينا أنه قياس يقوم على مقدمات مسلمة بوجه عام أو من المتجادلين على الأقل، فهو أدنى رتبة من الاستدلال البرهانى الذي يقوم على مقدمات يقينية. و ما هو إلا نحو من أنحاء القياس، و مظهر من مظاهر تطبيقه. و الواقع أن القياس الأرسطي الصحيح لا يختلف مطلقا من ناحية صورته، و إنما يرجع اختلافه فقط إلى مادته[١]. فإن كانت مقدماته يقينية فهو برهانى، و إن كانت ظنية فهو جدلى، و إن كانت مغالطة فهو سوفسطائى، و إن كان الظن فيها مرجوحا و أريد بها مجرد الإقناع في الأمور الجزئية المدنية فهو خطابى، و إن كان مبعثها الخيال فهو شعرى. تلك قسمة خماسية مقررة لدى كبار فلاسفة الإسلام، و على أساسها عدت الخطابة و الشعر جزءين من أجزاء المنطق[٢].
و أرسطو نفسه أميل إلى أن يشمل قياسه كل استدلال، و لا يتردد في أن يربط الجدل و المغالطة بالبرهنة العلمية، و هى تخضع جميعا لقوانين منطق واحد.
و يقود هذا التقسيم إلى نظرية أخرى سيكلوجية و اجتماعية قال بها الفارابى و ابن سينا و ابن رشد، و ملخصها أن الناس متفاوتون في إدراكهم و مدى تقبلهم
[١] ابن سينا، كتاب الجدل، القاهرة ١٩٦٤، ص ٩.
[٢]madkour ,l ,organon ,p .١١ -١٤ .