الشفاء المنطق (البرهان - الجدل)

الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٤٣

(ب) ظلت مباحث الأخلاق و السياسة في المرتبة الأولى من فكر أفلاطون و كانت الغاية التي إليها قصد من فلسفته، و استمرت شغله الشاغل طوال حياته. و أنه إذا كان قد طالب الفيلسوف أن يبتعد بعض الوقت عن المظاهر، و أن ينعزل عن الجمهور و المجتمع، فإنما كان يبغى من وراء تلك العزلة أن يقترب الفيلسوف من نفسه ليتصل بالمثل في صفائها، و يعيش معها، و يتخذ منها زاده، ثم يعود بعد ذلك إلى عالم المظاهر الذي هجره، يمنحه المعنى الذي يفتقده، حين يمسى حاكم المدينة و مصلحها.

(ج) أن العالم بأسره- حتى لو اعتبر من جانبه المادى، أى من جهة صورته الفلكية و الجغرافية، كما يتبين من محاورة طيماوس، و ما توحى به الخرافات- ليس شيئا أكثر من الموضع الذي تسكن فيه الأنفس و تتدرج في مراتب رقيها الروحى، و تحقق مصيرها اللائق لها بما تستحق.

هذه الإشارة الموجزة إلى القيمة من الناحية الميتافيزيقية، إنما الغرض منها بيان أن الجدل عند أفلاطون بوجه خاص، و كذلك عند أرسطو، تابع لمباحث القيمة، مما يجعل منطق الجدل خلاف منطق البرهان.

موقف ابن سينا من القيم:

تبين من قبل أن ابن سينا يحاذى أرسطو، مع شى‌ء من الشرح في اتجاه سينوى.

و قد ذكرنا عند الكلام عن المواضع، أن المقدمات ثلاثة أصناف: منطقية، و طبيعية، و خلقية. و استبعدنا المنطقية و الطبيعية لأن أحكامها علمية، مرجئين الكلام عن الخلقيات لأن أحكامها قيمية. و قد لخص ابن سينا الآراء الخلقية فى المقالة الأولى مبينا خضوعها أساسا للقيمة، لأنها تتصل بالإيثار و التفضيل.