الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٥
و وقف طويلا عند صلة الجدل بمباحث القيمة، و شاء أن يستدل من ذلك على أن ابن سينا قال بأحكام قيمية إلى جانب الأحكام الوجودية، و أنه تبعا لهذا يفرق بين منطق الرجحان و منطق اليقين، أو بعبارة أخرى بين منطق الجدل و منطق البرهان.
و لا نزاع في أن فكرة القيمة لم تغب عن ابن سينا، كما لم تغب عن أفلاطون و أرسطو، و قد ألم بها في بحوثه السياسية و الأخلاقية، أما أنه ذهب إلى فلسفة القيمة، فهذا ما يعز إثباته، أو أنه يفرّق بين أحكام قيمية و أخرى واقعية ففى هذا توسع في حمل الماضى على الحاضر. و القول بالأفضل و الأولى و الآثر لا يعنى حتما القول بأحكام قيمية، لا سيما و نظرية الحكم كلها في أساسها السيكلوجى و جانبها المنطقى لم تتضح تماما في الفلسفة القديمة و لا المتوسطة، و مباحث القيمة بوجه عام من صنع هذا القرن و أخريات القرن الماضى.
و على افتراض أن ابن سينا قد قال بأحكام قيمية، فهو يخضعها أيضا لمنطق القياس، لأن وحدة المنطق عنده أمر لا شك فيه. و منطق الاستقراء نفسه لا يرتضى منه، على غرار أرسطو، إلا الاستقراء الكامل الذي يرده إلى قياس من الشكل الأول[١]. و التفرقة التامة بين منطق اليقين و منطق الرجحان، أو بين منطق الضرورى و منطق المحتمل التي قال بها بعض قدماء الشراح، لا تخلو من خلط بين المنطق الأرسطي و المنطق الرواقى. ذلك لأن البرهنة الجدلية عند ابن سينا و أستاذه أخت البرهنة العلمية، تخضعان معا لشروط القياس و أشكاله و أضربه و الفرق بينهما في المرتبة لا في النوع.
و بعد، ففى تحقيق «كتاب الجدل» و نشره جهد صادق، و مساهمة قيمة يقدرها الباحثون في تاريخ المنطق عامة.
ابراهيم مدكور
[١]madkour .l ,organon ,p ٢١٧ -٢٢١ .