الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٤٠
فى شبابه و كتاباته الاولى التي كانت في هيئة محاورات إلى عقائد الأمم، و إلى شعائر الدين و العادات الجارية، و إلى الخرافات القديمة، و لم ينكر ما تنطوى عليه من أدلة على وجود اللّه و النفس الانسانية. و هذه الأدلة و إن قصرت عن الدقة العلمية، فلها مع ذلك وجاهتها، بل إن المعلم الأول، حتى بعد تطوره و انفصاله عن الأكاديمية، ظل يتخذ آراء الحكماء المشهورة مبدأ. فهو يحاول أن يجمع بين المعرفة العقلية الخالصة و بين الحقائق المضمرة في باطن تلك المنابع الإنسانية كالدين و الفن و الأخلاق و السياسة. و الجدل الذي يمثل طورا سابقا من فكر أرسطو، لا يعبر عن نزعته العقلية فقط، بل عن نزعة تجريبية يستلهم فيها ما رسخ على مر الزمان من اعتقادات و تجارب جماعية، لجمهور الناس أو آراء الحكماء منهم[١]. و لم يكن أرسطو في هذا الصنيع ملقيا عبء التفكير على كاهل الآراء المشهورة، بل كان ينفذ ببصره لمعرفة الحدود التي ينبغى أن تقف عندها الحجة العقلية في هذه الأمور.
الحمل قضايا وجودية:
و من أجل ذلك أراد أرسطو أن يخضع أحكام الشهرة الخاصة بالأمور الإنسانية من أخلاق و سياسة، إلى منطقه الذي ابتدعه لضبط الفكر و بلوغ اليقين، و وضع له أساسا صوريا من القياس و أشكاله. و رأى أن الأقيسة في أى مرتبة من مراتبها تتألف من مقدمات تؤدى إلى نتائج، و أن المقدمات قضايا تتركب من موضوع و محمول. و تفترض الصلة بين الموضوع و المحمول «الوجود»، أى وجود الموضوع و حمل صفات عليه لا تخرج عن المقولات التي تقال على الشىء. مثال ذلك:
[١] المرجع السابق ص ٤٨