الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣٠
إن الصناعة الجدلية تنتج الحق في أكثر الأمر. و يرد عليهم ابن سينا قائلا:
«و هذه كلها ظنون فاسدة، فإن القياس الجدلى إنما هو قياس جدلى بأن مقدماته متسلمة أو مشهورة، و ليس من شرط المشهور و المتسلم أن يكون لا محالة صادقا، بل كثيرا ما يسلم الباطل[١]» تسلم المقدمات، و أخذها على أنها مشهورة لا حقّة، هو الذي يجعل الجدل جدلا، و مختلفا عن المنطق الآخر النافع في العلوم.
لقد تعرض ابن سينا في «كتاب البرهان» إلى مسألة تقديم «الجدل» على «البرهان» أو تأخيره عنه. إنّ ترتيب الكتب المنطقية، و الذي وصل إلى العرب، جعل الجدل لاحقا للبرهان لا سابقا عليه. و قد خيل إلى العرب أن ترتيب هذه الكتب من عمل أرسطو نفسه لا من عمل أندرونيقوس، فاحترم الفلاسفة الإسلاميون ما ظنوه أرسطيا؛ و لذلك قال ابن سينا:
«الأشبه أن يكون المعلم الأول رتب هذا الفن الذي في البرهان قبل سائر الفنون»[٢]، و ذلك اعتمادا على عدة حجج: منها أن الغرض الأفضل هو التوصل إلى كسب الحق و اليقين، و يستفاد ذلك بالبرهان دون غيره؛ و أن الأولى تقديم الأهم على المهم، و الفرض قبل النفل. ثم استعرض ابن سينا رأى من يقول بتقديم الجدل، فقال: «لكن من الناس من رأى أن الأصوب هو أن يتقدم الفن المعلم للجدل على هذا الفن، فاستنكر ما يقوله كل الاستنكار،
[١] الجدل، ص ٣٤.
[٢] الشفاء، البرهان، ص ٥٤.
الشفاء- المنطق مقدمةج٣لمدكور ٣١ صناعة الجدل: ..... ص : ٢٩