الشفاء المنطق (البرهان - الجدل)

الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢١

و لما كان لا بد في كل مجتمع من رئيس أو إمام أو حاكم، أو بلغة ابن سينا المنقولة عن الفكر اليونانى «مدبر المدينة»، فينبغى لمدبر المدينة أن يسوس الناس بتأكيد العقائد النافعة في أنفسهم بالحجج المقبولة عندهم، مثل إثبات الصانع الواحد، و إثبات الرسالة الإلهية، و إثبات المعاد[١].

الوحدانية، و النبوة، و المعاد، دعائم ثلاث لا غنى عنها في قيام العقيدة الإسلامية.

و إذا كان إثبات الوحدانية مشتركا بين الفلسفة اليونانية و الإسلام، فالنبوة و المعاد مما انفرد به الإسلام، و يعد من قبيل مباحث الغيبيات، و بخاصة معجزة النبي، و الجنة و النار. و قد اجتهد الفلاسفة الإسلاميون أن يثبتوا النبوة و المعاد بأدلة فلسفية، و لكنها و إن ارتقت إلى مرتبة البرهان، إلا أن هذه الأدلة مقصورة على فئة قليلة جدا هم الفلاسفة[٢].

و ليس في مقدور الجمهور بلوغ هذه المرتبة، و لا في استطاعتهم اتباع الطريق التعليمى لأنه طريق «طويل، و لا كل نفس له مقبول». لذلك لم يكن الجدل مجرد تكملة لأقسام المنطق «فقط- كما قال بعضهم- بل كان له منفعة قائمة»[٣].

بهذا تختتم المقدمة السينوية الممهدة لكتاب «الجدل»، و منها يتبين انفصال منطق الجدل من جهة موضوعه و منفعته عن منطق البرهان. ثم يبدأ الفصل الثاني بتفصيل ما أجمل، و تأكيد ما قرر.


[١] الشفاء، الجدل، ص ١٤.

[٢] أنظرMadkour ,L ' orgamon ,pp .٢٣١ -٢٣٢ حيث يتتبع الدكتور مدكور نظرية مفكرى الإسلام التي قسمت الناس ثلاث أقسام: أهل البرهان، و الجدل، و الخطابة؛ و هم الفلاسفة و المتكلمون و الجمهور، و لكل طائفة منهم لون من المنطق يناسبها.

[٣] الشفاء، الجدل، ص ١٤.