الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٠
حقا يحتاج الجدل إلى معرفة البرهان و مقدماته و شرائطه لتكون عند الجدلى زيادة بصيرة، و للتمييز بين ما هو يقينى و ما ليس بيقينى، و للتشبه بالبرهانيات حين يستند إلى المشهورات، فتكون هذه المشهورات أقرب إلى اليقين منها إلى الظن. و لكن البرهانيات لا يمكن أن تختلط بالمشهورات؛ لأن البرهانيات صدقها من ذاتها، و اليقين فيها من الداخل، و أما: «الشهرة فليس شيئا يتبع أجزاء المقدمات و يلحقها من أنفسها، بل هو شيء يأتى من خارج»[١]. فإذا كانت الشهرة خارجية، فإن العلوم البرهانية- على العكس من ذلك- لها مبادئ أولية هى ذاتية فيها، و جزء من طبيعتها. على حين أن المشهورات تؤخذ من المصالح المشتركة بين الناس، النافعة في استمرار الجماعة و حفظها، المبنية على العقائد و الفضائل و التقاليد، المؤدية إلى ربط أفراد المجتمع و حفظ «المصلحة الشركية»[٢].
و لقد سبق أن ميز ابن سينا في كتاب «البرهان» بين الجدل و البرهان، بما لا يخرج عن هذا المعنى. فالبرهان قائم على التصديق اليقينى، و الضرورة في هذا اليقين «باطنية»، تكون عن مجرد العقل، أو عن العقل مستعينا فيه بشيء بعد كسب المبادئ، و هذه الضرورة هى الأولى الواجب قبوله. و الجدل يعتمد على المشهورات و هى مقدمات أحكامها صادرة عن القوة الوهمية لا عن الضرورة العقلية، فهى من خارج العقل، لأنها تؤخذ على سبيل تسليم مشترك فيه، إما صواب و إما خطأ[٣].
[١] الجدل، ص ١٣.
[٢] الجدل، ص ١٤.
[٣] الشفاء، البرهان، ص ٦٣- ٦٤.