الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٨
المنطق إلى البرهان، حتى يتبين مكان الجدل من المنطق عموما. إنّ سبيل تلك المعرفة المكتسبة هو: «القياس اليقينى، و القياس اليقينى هو البرهان»[١].
و لكن القياسات ليست مقصورة على القياس الصورى الذي سبق بحثه فى التحليلات الأولى، و لا على القياس اليقينى الذي هو موضوع التحليلات الثانية أو البرهان، و إنما هناك أنواع أخرى من القياسات، و منها الجدلية، النافعة فى «الأمور الشركية». «و يجب أن نتعلم هذه الأصناف أيضا، لما لا تخلو عنه من منفعة، بل لما تدعو إلى استعمالها في الأمور المدنية من الضرورة»[٢] يقرر ابن سينا بما لا يدع سبيلا إلى الشك منذ أول الكتاب أن الجدل نافع و ضرورى لسياسة المجتمع، و ما تحتاج إليه هذه السياسة من دين و أخلاق و سياسة حكم، و هى التي أطلق عليها «الأمور المدنية». هذا التصريح الواضح الحاسم حدد معالم الطريق تحديدا متميزا، و فصل بين منطق البرهان و منطق الجدل، من جهة أن موضوع منطق البرهان الطبيعيات، و موضوع منطق الجدل الإنسانيات[٣].
مقدمات المنطق الأوّل موضوعة بحسب الطبيعة و نفس الحق، و مقدمات المنطق الثاني مشهورة، أو متسلمة، إما من جمهور أهل الصناعة، و إما من جمهور الناس.
[١] الجدل، ص ٧.
[٢] الجدل، ص ٨.
[٣] يتابع ابن سينا أرسطو عند الكلام عن منافع الجدل أنه نافع في العلوم، و أن المواضع منها منطقية و منها طبيعية، و منها خلقية، غير أن ابن سينا مع اعترافه بأن هناك مقدمات جدلية طبيعية، إلا أنها تتبع طريقا آخر خلاف الجدل- انظر الجدل ص ٥٠- ٥٣ و ما نذكره في هذه المقدمة فيما بعد.