الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٧
و أول اختلاف نلقاه هو اختلاف المظهر الخارجى لكل من الكتابين، فعنوان كتاب أرسطو «الطوبيقا»، و كان ينبغى أن يكون في العربية «المواضع»، و لكن ابن سينا جعله «الجدل». هذا التحول من المواضع إلى الجدل يفصح عن تغيير فى وجهة النظر المنطقية إلى موضوع البحث، أ تكون المواضع هى محور الارتكاز فى هذا المنطق أم الجدل نفسه. هذا التحول في العنوان يعبر عن تفسير معين لمنطق الجدل، هو عند ابن سينا منطق رجحان يختلف عن منطق البرهان، بمقدار ما يتميز ميدان الرجحان عن البرهان؛ فالأول يلائم المباحث الإنسانية من دين و أخلاق و سياسة، و الثاني يتصل بالعلوم الطبيعة بوجه خاص.
و الخلاف الثاني في المظهر أيضا؛ و لكنه ليس بذى بال، لأنه لا يتجاوز تقسيم الكتاب إلى مقالات و فصول. فالطوبيقا ثمان مقالات، و الجدل سبع.
و فصول كل مقالة عند ابن سينا فيها شيء من الإطناب، و من الشرح، و لكن فى ثناياها نظرات جديدة و تحليلات مبتكرة، هى التي سنبرزها و نقف عندها.
منطق البرهان و منطق الجدل:
الفصل الأول من المقالة الأولى مقدمة سينوية أصيلة، يكرر فيها ابن سينا ما ذكره في المدخل إلى منطق الشفاء عن ماهية الإنسان بالحقيقة، و المكمل له، و ما ينبغى تحصيله لبلوغ هذا الكمال، من معرفة نظرية فقط، أو معرفة عملية تضاف إليها. و لما كانت أجزاء المنطق السابقة على الجدل هى المقولات و العبارة و القياس و البرهان، و كان المنطق متسلسلا بعد ذلك إلى الجدل و السفسطة، ثم الخطابة و الشعر، كان لا بد من استعراض سريع للمعرفة المكتسبة بطريق